فهرس الكتاب
تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 7، ص: 282
[سورة الروم (30) : آية 35]
الشرح: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ: على المشركين. سُلْطانًا: حجّة، وعذرا، وقال الضحاك وقتادة، والربيع بن أنس- رضي اللّه عنهم أجمعين-: سُلْطانًا كتابا، وأضاف الكلام إليه توسعا، أو المراد: تكلم دلالة، كقوله تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ. هذا؛ وفي الحقيقة قد نطق القرآن بكفرهم كثيرا، كما هو معلوم من الآيات الكثيرة، أو المراد بالكلام: الشهادة، كأنه قال: فهو يشهد بشركهم، كما يشهد بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ويشهد بصحته: أنه منزل من عند اللّه، ولا تنس: أن (أم) بمعنى همزة الإنكار، فيكون المعنى: لا، لم ننزل عليهم سلطانا. وهو قول الكوفيين. ومذهب البصريين: أنها بمعنى بل، والهمزة، والمعنى: لا يصح إلا على هذا. تأمل.
هذا؛ وَ (سلطان) : تسلط وولاية، ومعناه هنا: الحجة، والبرهان، أو الكتاب، كما رأيت. قال بعض المفسرين المحققين: سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة له، كالسلطان يقهر غيره بقوته. وقال الزجاج: السلطان هو الحجة، وسمي السلطان سلطانا؛ لأنه حجة اللّه في أرضه. انتهى. ولا تنس ما قاله عثمان بن عفان- رضي اللّه عنه-:"إنّ اللّه ليزع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن". أي: يكف عن المعاصي ويردع، وجمعه بمعنى الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفراء: أن العرب تؤنث السلطان، تقول:
قضت به عليك السلطان، أما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنه بمعنى الحجة. هذا؛ والسلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة، كما قال تعالى حكاية عن قول سليمان- على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ الآية رقم [21] من سورة (النمل) .
هذا؛ والكلام بالنسبة للبشر، فهو يدل على أحد ثلاثة أمور:
أولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا، تريد تكليمك إياه.
وثانيها: ما يدور في النفس من هواجس، وخواطر، وكل ما يعبر عنه باللفظ لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك: كلاما في اللغة العربية، تأمل قول الأخطل التغلبي: [الكامل]
لا يعجبنّك من خطيب خطبة ... حتّى يكون مع الكلام أصيلا
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما ... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا
وثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال. انظر إلى قول العرب:"القلم أحد اللّسانين"وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفّتي