تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 339
صفتها، والعائد، أو الرابط: هو الضمير المجرور محلا بالباء، وجملة: وَلا تَقْفُ ... إلخ معطوفة على ما قبلها. إِنَّ: حرف مشبه بالفعل. السَّمْعَ: اسمها. وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ: معطوفان على السمع. كُلُّ: مبتدأ، وهو مضاف، وأُولئِكَ: اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، والكاف حرف خطاب لا محل له. كانَ: ماض ناقص، واسمه يعود إلى كل واحد من البشر، أو إلى كل واحد من الجوارح المذكورة، أو إلى المكلف، انظر الشرح. عَنْهُ: متعلقان بما بعدهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. وقيل: متعلقان بنائب فاعله، وهو مردود؛ لأن الفاعل، ونائبه لا يتقدمان، لذا فنائب الفاعل ضمير مستتر تقديره:
"هو"يعود إلى ما عاد إليه المضمر في كانَ وهو المفعول الأول، وهذا كله فحوى كلام ابن هشام في مغنيه. مَسْؤُلًا: خبر كانَ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: كُلُّ أُولئِكَ ... إلخ في محل رفع خبر إِنَّ، والرابط: اسم الإشارة العائد إلى السمع، والبصر، والفؤاد، والجملة الاسمية: إِنَّ ... إلخ تعليل للنهي، لا محل لها.
[سورة الإسراء (17) : آية 37]
الشرح: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا أي: ذا مرح، وهو الخيلاء، والكبر، والبطر، وقرئ مَرَحًا: بفتح الراء وكسرها، والأول: أبلغ، فإن قولك: جاء زيد ركضا، أبلغ من قولك: جاء زيد راكضا. إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ أي: لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها. وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا أي: لا تقدر أن تطاول الجبال، وتساويها بكبرك.
والمعنى أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئا، كمن يريد خرق الأرض، ومطاولة الجبال، لا يحصل على شيء. واللّه أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: في الآية خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد: به أمته على مثال ما تقدم، وفيها نهي عن الكبر، والتكبر، والخيلاء، وقد نهى اللّه عنه في كثير من الآيات القرآنية، وبين: أنه يكون سببا في صرف العبد المتكبر عن قبول الحق، واتباع الهدى. قال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم شدد النكير على المتكبرين، وتوعدهم بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، فعن عبد اللّه بن عمر- رضي اللّه عنهما- قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:"من تعظّم في نفسه، أو اختال في مشيته لقي اللّه تبارك وتعالى، وهو عليه غضبان". رواه الطبراني في الكبير. وعن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:"بينما رجل يمشي في حلّة، تعجبه نفسه، مرجّل رأسه، يختال في مشيته؛ إذ خسف اللّه به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة".
رواه الشيخان. وعن أبي سعيد الخدري- رضي اللّه عنه- عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:"من تواضع للّه درجة؛ يرفعه اللّه درجة حتى يجعله في أعلى علّيّين، ومن تكبّر على اللّه درجة؛ يضعه اللّه درجة حتى"