فهرس الكتاب
تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 7، ص: 42
مِنْ خَيْرٍ: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، ومِنْ بيان لما أبهم في ما. فَقِيرٌ: خبر (إنّ) ، والكلام: رَبِّ إِنِّي ... إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: فَقالَ ... إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
[سورة القصص (28) : آية 25]
الشرح: روي: أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس مبكرتين، وأغنامهما حفل بالماء، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا، رحمنا، فسقى لنا، وقصّا عليه القصة، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، وهو قوله تعالى: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ. قيل:
هي الكبرى، واسمها صفوراء. وقيل: صفراء. وقيل: بل هي الصغرى، واسمها: ليا. وقيل:
صفيراء، وقال عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه-: ليست بسلفع من النساء، خرّاجة، ولّاجة، ولكن جاءت مستترة، قد وضعت كمّ درعها على وجهها استحياء.
والاستحياء، والحياء- بالمد-: الحشمة، والانقباض، والانزواء. يقال: استحيت- بياء واحدة، وبياءين-، ويتعدى بنفسه، وبالحرف، يقال: استحييته، واستحيت منه. والحياء: ملكة تمنع الإنسان من ارتكاب الرذائل. والحياء خير ما يتحلى به إنسان، فإذا ذهب الحياء من الإنسان؛ فقد ذهب منه كلّ خير، كما قال القائل: [الوافر]
إذا لم تخش عاقبة اللّيالي ... وَلم تستح فاصنع ما تشاء
فلا وأبيك ما في العيش خير ... وَلا الدّنيا إذا ذهب الحياء
وقد رغّب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أحاديثه الشريفة الكثيرة بالحياء، وبيّن أنه من خير الخصال، وأكتفي بما يلي: فعن عمران بن الحصين- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:"الحياء لا يأتي إلّا بخير". رواه البخاري، ومسلم، وفي رواية لمسلم:"الحياء خير كلّه". وعن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:"الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النّار". رواه أحمد.
هذا؛ والحياء في حق اللّه تعالى المراد منه: الترك اللازم للانقباض، كما ورد في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: عن سلمان الفارسي- رضي اللّه عنه-:"إنّ اللّه حييّ كريم، يستحيي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين". رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، فالمراد منه: أن اللّه سبحانه يعطي، ولا يمنع.