تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 65
معاقبهم على قليله، وكثيره لا محالة، أو لكل من توهم غفلته جهلا بصفاته، واغترارا بإمهاله.
وقيل: إنه تسلية للمظلوم، وتهديد للظالم. إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ أي: يؤخر عقاب الظالمين والانتقام منهم. لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ أي: لا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم، قاله الفراء:
يقال: شخص الرجل بصره، وشخص البصر نفسه؛ أي: سما، وطمح من هول ما يرى. قال ابن عباس: تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة، فلا يرمضون.
قال الخازن: الغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور. وقيل: حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ، والتيقظ، وهذا في حق اللّه محال، فلا بد من تأويل الآية، فالمقصود منها: أنه سبحانه وتعالى ينتقم من الظالم للمظلوم، ففيه وعيد، وتهديد للظالم، وإعلام له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه، بل ينتقم منه، ولا يتركه مغفلا. انتهى.
الإعراب: وَلا: الواو: حرف استئناف. (لا) : ناهية جازمة. تَحْسَبَنَّ: مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب: (لا) ، ونون التوكيد حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» . اللَّهَ: منصوب على التعظيم. غافِلًا: مفعول به ثان، وفاعله مستتر فيه. عَمَّا: متعلقان ب: غافِلًا، وَ (ما) : تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن) ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو عن شيء يعمله الظالمون، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) ، التقدير: من عمل الظالمين. إِنَّما: كافة ومكفوفة. يُؤَخِّرُهُمْ: مضارع، والفاعل يعود إلى اللّه، وقرئ بالنون، فيكون الفاعل تقديره: «نحن» والهاء مفعول به. لِيَوْمٍ: متعلقان بما قبلهما، وجملة: تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ في محل جر صفة يوم، والرابط: الضمير المجرور محلا بفي، والجملتان (لا تَحْسَبَنَّ ... ) وإِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ ... إلخ مستأنفتان لا محل لهما من الإعراب، وفي الثانية معنى التعليل للنهي.
[سورة إبراهيم (14) : آية 43]
الشرح: مُهْطِعِينَ: مسرعين، ومنه قوله تعالى في سورة (القمر) : مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ وقال الشاعر: [الوافر]
بدجلة دارهم ولقد أراهم ... بدجلة مهطعين إلى السّماع
فعلى هذا المعنى: أن الغالب من حال من بقي بصره شاخصا من شدة الخوف أن يبقى واقفا باهتا، فبيّن اللّه سبحانه وتعالى في هذه الآية، وفي آية (القمر) : أن أحوال أهل الموقف يوم القيامة بخلاف الحال المعتادة، فأخبر سبحانه وتعالى: أنهم مع شخوص الأبصار يكونون