تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 66
مهطعين نحو الداعي. وقيل: المهطع: الخاضع الذليل الساكت. انتهى خازن. والمراد ب: (الداعي) الذي ذكرته إسرافيل عليه السّلام قال تعالى في سورة (ق) : وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ فيقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وقال مجاهد، والضحاك: أي: مديمي النظر، قال أبو عبيد: وقد يكون الوجهان جميعا، يعني: الإسراع مع إدامة النظر. مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ أي: رافعي رؤوسهم ينظرون في ذلّ، وإقناع الرأس: رفعه، قاله ابن عباس، ومجاهد- رضي اللّه عنهما- وهذا بخلاف المعتاد لأن من يتوقع البلاء فإنه يطرق ببصره إلى الأرض.
وقال المهدوي: ويقال: أقنع: إذا رفع رأسه، وأقنع: إذا طأطأ رأسه ذلة وخضوعا، والآية محتملة الوجهين. انتهى قرطبي. وعليه فهو من الأضداد.
قال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد، وهو قوله تعالى:
لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ أي: لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة الخوف، فهي شاخصة لا ترتد إليهم، قد شغلهم ما بهم. انتهى. خازن.
أقول: وهنا يجدر بالذكر قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الذي رواه الشيخان عن عائشة- رضي اللّه عنها-:
«يحشر الناس حفاة عراة غرلا» . قالت عائشة: فقلت: الرجال والنّساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «الأمر أشدّ من أن يهمّهم ذلك- وفي رواية-: من أن ينظر بعضهم إلى بعض» .
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ أي: قلوبهم خاوية خربة متخوفة ليس فيها خير، ولا عقل، ولا فهم لفرط الحيرة والدهشة، ومنه يقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء؛ أي: لا رأي فيه، ولا قوة، ومنه قول حسان- رضي اللّه عنه-: [الوافر]
ألا أبلغ أبا سفيان عنّي ... فأنت مجوّف نخب هواء
وقال تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا أي: من كل شيء إلا من همّ موسى، هذا، والهوى يقصر ويمد، والمراد بالأول: الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، ومنه قوله تعالى: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى وقوله جل ذكره: وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي اللّه تعالى، ويراد بالممدود: ما بين السماء والأرض، وقد جاء الهواء بمعنى: العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وهان على أسماء أن شطّت النّوى ... نحنّ إليها والهواء يتوق
وإليك هذين البيتين، فإنهما من النكت الحسان: [الكامل]
جمع الهواء مع الهوى في مهجتي ... فتكاملت في أضلعي ناران
فقصرت بالممدود عن نيل المنى ... وَمددت بالمقصور في أكفاني