تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 4، ص: 586
تنبيه: لقد عوملت (رأى) الحلمية هنا معاملة «رأى» العلمية في التعدي إلى مفعولين، كما تعدت بهمزة التعدية إلى الثالث، كما تعدى إلى الثالث، وذلك في قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ الآية رقم [44] من سورة (الأنفال) ، كما عوملت الحلمية معاملة العلمية في اتحاد فاعلها ومفعولها، وهما ضميران متصلان وللمتكلم، وهذا لا يجوز في غير باب علم، وحسب وفقد، تنبه لذلك واحفظه؛ فإنه جيد.
[سورة يوسف (12) : آية 37]
الشرح: قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ أي: لا يأتيكما طعام من منازلكما تأكلانه في ليل أو في نهار إلا أخبرتكما بقدره، ولونه، والوقت الذي يصل إليكما فيه، وهذا مثل معجزة عيسى عليه السّلام حيث قال: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ الآية رقم [49] من سورة (آل عمران) . قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما: قبل أن يصل إليكما ذلك الطعام. ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي أي:
إن ما أخبركما به إنما هو من تعليم اللّه إلي، وفضله عليّ بالإلهام والوحي، وليس من قبيل السحر، والكهانة، والتنجيم. إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ: المراد ب قَوْمٍ العزيز وأهل بيته الذين عاشرهم وعاش معهم هذه المدة الطويلة، وقد كانوا على الكفر، وكان يوسف بينهم مقيما على التوحيد، والإيمان الصحيح. وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ أي: وهم لا يعتقدون بالآخرة، وما فيها من الحساب، والجزاء، والجنة، والنار.
(أتى) : وهو يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ومن الثاني الآية الكريمة، ومثلها كثير، والمراد بالآخرة: الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد البعث، والحساب، ودخول الجنة، والخلود فيها، ودخول النار، والخلود فيها، انظر كَفُورٌ في الآية [9] من سورة (هود) ، هذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا وكفورا، وكفرانا، إذا جحدها وسترها وأخفاها، وكفر الشيء: غطاه وستره، وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم اللّه بجحدها، وعبادته غيره، وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي- رضي اللّه عنه- في معلقته: [الكامل]
حتّى إذا ألقت يدا في كافر ... وَأجنّ عورات الثّغور ظلامها
مِلَّةَ قَوْمٍ: طريقتهم، وديانتهم، وهي بكسر الميم، وهي بفتح الميم: الرماد الحار.
الإعراب: قالَ: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف تقديره: «هو» . لا: نافية.
يَأْتِيكُما: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به،