تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 4، ص: 256
[سورة التوبة (9) : آية 119]
الشرح: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ: خافوه فيما لا يرضاه، وانظر (الإيمان) في الآية رقم [1] من سورة (الأعراف) ، وزيادته في الآية رقم [2] من سورة (الأنفال) وانظر اتَّقُوا في الآية رقم [1] منها. مَعَ الصَّادِقِينَ أي: في إيمانهم وعهودهم، أو في دين اللّه، نية وقولا وعملا، وقرئ: (من الصادقين) أي: في توبتهم وإنابتهم، فيكون المراد به الثلاثة المذكورون في الآية السابقة، ومن نهج نهجهم وسار على طريقهم، وقيل: غيرهم على أقوال كثيرة.
تنبيه: روي: أن أبا بكر رضي اللّه عنه احتج بهذه الآية على الأنصار في يوم السقيفة، وذلك أن الأنصار قالوا: منا أمير، ومنكم أمير، فقال رضي اللّه عنه، يا معشر الأنصار! إن اللّه سبحانه وتعالى يقول في كتابه لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ .. إلى قوله أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ الآية رقم [8] من سورة (الحشر) ، من هم، قالت الأنصار: أنتم هم، فقال: إن اللّه تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... إلخ الآية، فأمركم أن تكونوا معنا، ولم يأمرنا أن نكون معكم، نحن الأمراء، وأنتم الوزراء. انتهى. خازن.
وقال القرطبي- رحمه اللّه تعالى: حق من فهم عن اللّه، وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لحق بالأبرار، ووصل إلى رضا الغفار، قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «عليكم بالصّدق، فإن الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند اللّه صدّيقا» . والكذب على الضد من ذلك، قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إيّاكم والكذب، فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب، ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عند اللّه كذّابا» . رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه.
الإعراب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [23] وجملة:
اتَّقُوا اللَّهَ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، وَكُونُوا: أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق، وانظر إعراب: اسْجُدُوا، في الآية رقم [11] من سورة (الأعراف) . مَعَ: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (كانوا) ، ومَعَ:
مضاف، والصَّادِقِينَ: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: وَكُونُوا ... إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.