تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 137
مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: جَعَلُوا ... إلخ صلة الموصول، لا محل لها.
[سورة الحجر (15) : الآيات 92 الى 94]
الشرح: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ: أقسم اللّه بنفسه: أنه يسأل هؤلاء المقتسمين الذين مرّ ذكرهم. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ أي: من الكفر، والمعاصي، والمنكرات. هذا؛ وقيل: يسألون عن قول لا إله الا اللّه، دليله ما رواه أنس بن مالك- رضي اللّه عنه-، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ ... إلخ قال: عن قول: لا إله إلا اللّه. قال أبو عبد اللّه: معناه: عندنا:
عن صدق لا إله إلا اللّه، ووفائها، والتصديق بها، والعمل بمقتضاها، كما قال الحسن البصري- رحمه اللّه تعالى-: ليس الإيمان بالتّحلّي، ولا الدّين بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال، ولهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قال لا إله إلّا اللّه مخلصا دخل الجنّة» . قيل:
يا رسول اللّه! وما إخلاصها؟ قال: «أن تحجزه عن محارم اللّه» . رواه زيد بن أرقم- رضي اللّه عنه-. وانظر ما ذكرته من الاحتراس في الآية رقم [31] من سورة (الرعد) .
قال القرطبي: والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع، ومحاسبتهم، كافرهم، ومؤمنهم.
وفي سؤال الكافر ومحاسبته خلاف بين العلماء، والذي يظهر سؤاله؛ لقوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ وقوله: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ، فإن قيل: فقد قال اللّه تعالى: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ وقال: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ؟. قلنا: القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك فيه. وقال ابن عباس- رضي اللّه عنهما- لا يسألهم سؤال استخبار، واستعلام، ولكن يسألهم سؤال تقريع، وتوبيخ، فيقول لهم:
لم عصيتم القرآن؟ وما حجتكم فيه؟. انتهى. بتصرف كبير. قال ابن عادل: وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله تعالى: ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ وقوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (35) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ.
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ... إلخ: أي: اجهر بالدعوة إلى اللّه، وإلى عبادته، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو إلى اللّه مستخفيا في دار الأرقم بن أبي الأرقم؛ حتى نزلت الآية الكريمة، فصعد على الصفا، ونادى: يا معشر قريش! فهرعوا إليه، فقال لهم: «لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟» . قالوا: ما جرّبنا عليك كذبا، فقال لهم: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» . وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي: اكفف عنهم، ولا تلتفت إلى لومهم على إظهار