تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 241
[سورة آل عمران (3) : آية 131]
الشرح: وَاتَّقُوا النَّارَ: هذا الوعيد لمن استحل الرّبا، ومن استحلّ الرّبا؛ فإنّه يكفر، وكلّ معصية من يستحلّها؛ فإنه كافر، ويستحقّ النار، وبئس القرار. قال ابن عباس- رضي اللّه عنهما-: هذا تهديد للمؤمنين أن يستحلّوا ما حرّم اللّه من الرّبا وغيره مما أوجب اللّه فيه النّار، وقال بعضهم: إن هذه الآية أخوف آية في القرآن؛ حيث أوعد اللّه المؤمنين بالنّار المعدّة للكافرين؛ إن لم يتقوه، ويجتنبوا محارمه. وقال الواحديّ- رحمه اللّه-: في هذه الآية تقوية لرجاء المؤمنين برحمة من اللّه تعالى؛ لأنه قال: أعدّت للكافرين، فجعلها معدّة للكافرين دون المؤمنين. وجوابه ما تقدّم من أنّ من استحلّ شيئا من محارم اللّه؛ فإنه كافر بالإجماع.
الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ: هيئت، وفيه دليل على أنّ النار موجودة الآن، وكذلك الجنّة، لقوله تعالى في كثير من الآيات: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. وفيه ردّ على المعتزلة، وغيرهم الّذين ينكرون وجودهما الآن. هذا؛ وأصل: (اتَّقُوا) : اوتقيوا، قلبت الواو تاء، وأدغمت بالتاء، وحذفت الضمة التي على الياء فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء، فصار: (اتَّقُوا) ثم قلبت الكسرة ضمّة لمناسبة الواو.
أمّا النَّارَ فأصلها: النور، تحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. وهي المؤنث من المجازي، وقد تذكّر. وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنّم، الّتي سيعذب اللّه بها الكافرين، والفاسقين الفاسدين يوم الدّين، كما أنّها تستعار للشدّة، والضّيق، والبلاء، قال الشاعر: [الطويل]
وألقى على قيس من النّار جذوة ... شديدا عليها حرّها والتهابها
فهي مستعارة في هذا البيت لشدّة النكاية؛ التي أذاقها قبيلة قيس. والفعل: نار، ينور، يستعمل لازما، ومتعديا؛ إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.
الإعراب: وَاتَّقُوا النَّارَ: إعرابه مثل ما قبله. الَّتِي: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: النَّارَ. أُعِدَّتْ: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى النّار، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. لِلْكافِرِينَ: متعلقان بما قبلهما، وجملة: وَاتَّقُوا ... إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
[سورة آل عمران (3) : آية 132]
الشرح: فهذه الآية تقرن طاعة الرّسول بطاعة اللّه تعالى، وهذا كثير في الآيات القرآنية، ومنه قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [80] : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ. وانظر ما ذكرته