تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 461
شَهِيدًا أي: شاهدا على من آمن بالإيمان، وعلى من كفر بالكفر، وعلى من نافق بالنفاق.
وقيل: المعنى: وجئنا بك يا محمد شاهدا على صدق هؤلاء الأنبياء بأنّهم بيّنوا لأممهم طريق الحقّ، والصّواب لعلمك بشرعهم، وعقائدهم. هذا؛ وفي الآية ما يسمّى: السؤال عن المعلوم لتوبيخ السّامع، وتقريعه.
فعن عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اقرأ عليّ القرآن» .
فقلت: يا رسول اللّه أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ فقال: «إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري» . قال:
فقرأت عليه سورة (النساء) حتى جئت هذه الآية: فَكَيْفَ ... إلخ. قال: «حسبك الآن!» قال:
فالتفتّ إليه، فإذا عيناه تذرفان. متّفق عليه، وزاد مسلم، فقال: «وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم» أو قال: «ما كنت فيهم» شكّ أحد رواته. انتهى خازن.
هذا؛ وَ «جاء» يستعمل لازما، إن كان بمعنى حضر، وأقبل، ومتعدّيا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول ما هو في هذه الآية، ومن الثاني قوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ. ومثله «أتى» يستعمل لازما، ومتعديا.
(أمّة) : تكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى في حقّ إبراهيم- على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ... إلخ. وقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعث أمّة وحده» لأنّه لم يشرك في دينه غيره، وَ «الأمّة» الطريقة، والملّة، والدّين، كقوله تعالى، حكاية عن قول المشركين: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ* ومنه قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً.* وكلّ جنس من الحيوان أمّة، كقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أي: بعد وقت وحين، وَ «الأمة» : الشجة التي تبلغ الدماغ، يقال: رجل مأموم، وأميم.
و «الأمة» أيضا: القامة، يقال: فلان حسن الأمة، أي: حسن القامة. قال الشاعر: [المتقارب]
وإنّ معاوية الأكرمين ... حسان الوجوه طوال الأمم
الإعراب: فَكَيْفَ: الفاء: حرف استئناف. (كيف) : اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فكيف حالهم، أو في محل نصب حال، عامله محذوف، التقدير: فكيف يصنع هؤلاء الكفرة، والجملة سواء أكانت اسمية، أو فعلية: مستأنفة لا محلّ لها. إِذا: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بالفعل المقدّر، أو هو متعلّق بنفس المبتدأ الّذي قدّرناه. جِئْنا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة إِذا إليها. هذا؛ ومثل هذه الآية في إعرابها الآية رقم [25] : من سورة (آل عمران) ، ومثل الآيتين قول الفرزدق- وهو الشّاهد رقم [225] : من كتابنا: «فتح رب البريّة» ، والشاهد رقم [528] : من كتابنا: «فتح القريب المجيب» : [الوافر]