فهرس الكتاب
تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 588
بعد هجرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى يهاجر إليه، ثمّ نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة» . أخرجاه في الصّحيحين.
قالُوا: أي: قالت الملائكة؛ الذين يتوفون أولئك المذكورين: فِيمَ كُنْتُمْ خطاب للمذكورين، وهو سؤال توبيخ، وتقريع. أي: أكنتم في أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أم كنتم مع المشركين؟ وفِيمَ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف «في» الجارة، والاسم: «ما» الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كلّ جارّ، نحو قوله تعالى: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،* عَمَّ يَتَساءَلُونَ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية. ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار، ومن شواهدها الشّعرية قول الكميت، وهو الشاهد رقم [554] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» : [الطويل]
فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم ... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟
وأيضا قول عمرو بن معديكرب- رضي اللّه عنه، وهو الشّاهد رقم [250] من كتابنا المذكور-: [الطويل]
علام تقول الرّمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت؟
وقد ثبتت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشّعر في قول حسّان بن ثابت- رضي اللّه عنه- يهجو رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [556] من الكتاب المذكور: [الوافر]
على ما قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرّغ في دمان
قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ أي: في مكّة. اعتذروا عن الهجرة، وموالاة الكفّار بعجزهم، وضعفهم. وهذا اعتذار غير صحيح؛ إذ كانوا يستطيعون الحيل، ويهتدون السبيل. قالُوا أي:
الملائكة موبخين، ومؤنّبين لهم. أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها أي: فتخرجوا من مكة إلى بلد تكونون فيه أحرارا في عقيدتكم، وعبادتكم، كما فعل المؤمنون الصادقون؛ حيث هاجروا أولا إلى الحبشة، ثمّ إلى المدينة المنورة. ويفيد هذا السؤال، والجواب: أنّهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين؛ لم يقل لهم شيء من هذا.
فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ: أخبر اللّه تعالى: أنّهم في جهنّم لتقصيرهم، وتقاعسهم عن الهجرة.
وَساءَتْ: فعل ذمّ يجري مجرى: «بئس» . مَصِيرًا: مقرّا، ومآلا، وكانت الهجرة واجبة على كلّ من أسلم، وانظر الآية رقم [89] .
تنبيه: في الآية الكريمة دليل على أنّ الإنسان إذا كان في بلد، لا يتمكّن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، والعوائق، أو علم: أنّه في غير بلده أقوم بحقّ اللّه، وأدوم على العبادة؛ حقّت عليه المهاجرة. وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا