تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 602
إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا يعني: فرضا مؤقتا، والكتاب: هنا بمعنى المكتوب؛ يعني: مكتوبة مؤقّتة في أوقات محدودة، فلا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أيّ حال من خوف، أو أمن. وقيل: معناه: فرضا واجبا مقدّرا في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين.
وقال البيضاوي- رحمه اللّه تعالى-: وفي الآية دليل على أنّ المراد بالذكر: الصلاة، وأنّها واجبة الأداء حال المسايفة، والاضطراب في المعركة، وتعليل للأمر بالإتيان بها كيفما أمكن.
وقال أبو حنيفة- رحمه اللّه تعالى-: لا يصلّي المحارب حتى يطمئنّ. انتهى. هذا؛ وذكرت لك في الآية السابقة: أنّ الأوضاع قد تغيّرت، والأحوال قد انقلبت رأسا على عقب.
هذا؛ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أمر معناه الوجوب، وأصله: «أقوموا» فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: «أقوموا» ثمّ قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها.
ومعنى: (أقيموا الصَّلاةَ) : أدّوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وأتمّوا لها ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل يقال عنه: صلّى، ولا يقال: أقام الصلاة.
وهذا؛ والصّلاة في اللّغة: الدعاء، والتّضرّع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومندوبات، ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي. هذا؛ وقد بيّن اللّه تعالى: أنّ أجود ما يستعان به على تحمّل المتاعب، والمصاعب الصّبر، والصلاة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [153] : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة.
هذا؛ والصّلاة من العبد معناها: التضرّع، والدّعاء، ومن الملائكة على العبد معناها:
الاستغفار، وطلب الرّحمة له، ومن اللّه على عباده معناها: الرحمة، والمغفرة، وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [56] : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
تنبيه: قال الشيخ أبو منصور- رحمه اللّه تعالى-: «القضاء» يحتمل الحكم، كقوله تعالى:
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا أي: ليحكم ما قد علم أنّه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه، فهو مفعول لا محالة. انتهى.
هذا؛ والماضي: قضى، والمصدر: قضاء بالمد؛ لأنّ لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه:
«قضي» بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومصدره: «قضيا» فأبدلت الثانية همزة، فصار «قضاء» ممدودا، وجمع القضاء: أقضية. كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل: