تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 634
وهو معدوم في هذا الزّمن؛ الّذي فسد أهله، وصاروا خلّا، ودودا، كما قال القائل: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ ودود ... فقالوا: النّاس من خلّ ودود
فقلت أَليس فيهم ذو وفاء ... فقالوا: كان ذلك في الجدود
احفظ البيتين، ولا تنس ما فيهما من الجناس التّام، لذا فإنّه لا وجود للصّديق بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا، كما قال القائل: [الكامل]
قد قيل إنّ المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخلّ الوفي
وقال الآخر: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ وفيّ ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ ... فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل
وممّا هو جدير بالذّكر: أنّ كل صداقة لا تكون على أساس من التّقوى، تنقلب عداوة في الدّنيا، والآخرة، خذ قوله تعالى في سورة الزّخرف: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ، وانظر نتيجة صداقة إبليس اللّعين في سورة (إبراهيم) رقم [22] وفي سورة (ق) أيضا. وفي مصنّف أبي داود عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-: أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «الرّجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» . ولقد أحسن من قال: [السريع]
من لم تكن في اللّه خلّته ... فخليله منه على خطر
الإعراب: وَمَنْ: الواو: حرف استئناف. (مَنْ) : اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. أَحْسَنُ: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. دِينًا: تمييز.
مِمَّنْ: جار ومجرور متعلقان ب أَحْسَنُ، وَ (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة؛ فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من) . أَسْلَمَ: فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. لِلَّهِ: متعلقان بالفعل: أَسْلَمَ، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من: وَجْهَهُ، والجملة الاسمية: (هُوَ مُحْسِنٌ) في محل نصب حال من فاعل:
أَسْلَمَ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها معترضة؛ فلا محلّ لها، والاعتراض يزيد الكلام تقوية، وتسديدا. (اتّبع) : فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) . مِلَّةَ: مفعول به، وهو مضاف، وإِبْراهِيمَ: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. حَنِيفًا: حال من: إِبْراهِيمَ وقيل: هو حال من فاعل: (اتّبع) المستتر، وهو ضعيف، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأنّ المضاف كجزء منه، قال ابن مالك رحمه اللّه تعالى في ألفيته: [الرجز]
ولا تجز حالا من المضاف له ... إلّا إذا اقتضى المضاف عمله