تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 705
وقيل: يحتمل أن يكون المراد بأهل الكتاب: اليهود، والنصارى جميعا، فإنّهم غلوا في أمر عيسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. فأمّا اليهود؛ فإنّهم بالغوا في التقصير في حرمته؛ حتّى حطّوه عن منزلته؛ حيث جعلوه مولودا من الزنى. وغلت النّصارى في رفعه عن منزلته، ومكانته؛ حيث جعلوه ممّا وصفته، فقال اللّه تعالى ردّا عليهم جميعا: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ.
وأصل «الغلو» مجاوزة الحد، وهو في الدّين حرام. والمعنى: لا تفرّطوا في أمر عيسى، ولا تحطّوه عن منزلته، ولا ترفعوه فوق قدره، ومنزلته، فالإفراط، والتقصير كلّه سيئة، وكفر، ولذلك قال مطرف بن عبد اللّه- رحمه اللّه تعالى-: الحسنة بين سيئتين، وقال الشاعر: [الطويل]
وأوف ولا تستوف حقّك كلّه ... وَصافح فلم يستوف قطّ كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقال آخر: [الطويل]
عليك بأوساط الأمور فإنّها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تطروني كما أطرت النّصارى عيسى، وقولوا: عبد اللّه، ورسوله» .
أخرجه البخاريّ عن عمر- رضي اللّه عنه-. وانظر الآية رقم [77] من- سورة (المائدة) فإنّه جيد، والحمد للّه!.
وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ أي: لا تقولوا: إن للّه شريكا، أو ابنا. ولمّا منعهم اللّه من الغلوّ في دينهم؛ أرشدهم إلى طريق الحق في أمر عيسى، عليه السّلام، فقال جلّ ذكره: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ المعنى: إنّ المسيح هو عيسى ابن مريم، ليس له نسب غير هذا، وهو رسول اللّه، فمن زعم غير هذا؛ فقد كفر، وأشرك. وَكَلِمَتُهُ هي قوله تعالى:
كُنْ،* فكان بشرا من غير أب، ولا واسطة. أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أي: أوصلها إلى مريم.
وَرُوحٌ مِنْهُ أي: كسائر الأرواح التي خلقها اللّه تعالى، وإنّما أضافه إلى نفسه على سبيل التشريف، والتكريم، كما يقال: بيت اللّه، وناقة اللّه، وهذه نعمة من اللّه. وقيل: الرّوح هو الذي نفخ فيه جبريل عليه السّلام في جيب درع مريم، فحملت منه بإذن اللّه، وكان ذلك النفخ بمنزلة اللّقاح بين الذّكر، والأنثى. وانظر ما ذكرته عن الواقدي في الآية رقم [45] من سورة (آل عمران) فإنّه جيد، والحمد للّه! وفيها شرح الْمَسِيحُ أيضا.
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي: فصدقوا يا أهل الكتاب بوحدانية اللّه، وأنّه لا ولد له، وصدقوا رسله فيما جاؤوكم به من عند اللّه، وصدّقوا بأنّ عيسى من رسل اللّه، فآمنوا به، ولا تجعلوه إلها. وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أي: ولا تقولوا: إنّ الآلهة ثلاثة. وذلك: أنّ النصارى يقولون: أب،