تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 3، ص: 34
أبدلت الفتحة ضمة لتدلّ على الواو المحذوفة، فصار: قلتم. وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول:
أصل الفعل: قول، فلمّا اتصل به ضمير رفع متحرك، نقل إلى باب: فعل، فصار: (قولتم) ، ثمّ نقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: (قولتم) فالتقى ساكنان: العين المعتلّة ولام الفعل، فحذفت العين، وهو الواو لالتقائهما ساكنين، فصار (قلتم) ، وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف، واوي، مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قمت، وقمنا، وقمن.
هذا؛ وَ (ذات) بمعنى صاحبة، فجعلت صاحبة الصدور لملازمتها، وعدم انفكاكها عنها، نحو قوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ،* أَصْحابُ النَّارِ.* هذا؛ وَ (ذات) مؤنث «ذو» الذي هو بمعنى صاحب، وقد يثنّى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي، كذا من غير ردّ لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنّى «ذو» ب: «ذوا» أو «ذوي» على لفظه. ويجوز فيها (ذواتا) على الأصل بردّ لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرّك العين، وهي الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [48] : ذَواتا أَفْنانٍ، وقال في سورة (سبأ) رقم [16] : ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ.
هذا؛ والتاء في (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل: تاء (ثمّت، وربّت، ولات) ولكنّها تعرب بالحركات الظاهرة على التاء، فالجر كما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى: فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ، والنّصب جاء في قوله تعالى: سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ وكلّ معانيها في القرآن الكريم: صاحبة، إلا في موضعين، فإنّها جاءت بمعنى: الجهة، وذلك في قوله تعالى في سورة (الكهف) : وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ، وقد رأيت تثنيتها في الايتين المذكورتين في حالتي النّصب، والجر، ولم ترد في القرآن الكريم بمعنى الجمع. هذا، ولم يتعرّض لها النحويّون بهذا المعنى مع كثرة تعرّضهم ل: «ذي» بمعنى صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنّهم ذكروا (ذات) بمعنى «التي» ، وَ «ذوات» بمعنى «اللواتي» وذلك في مبحث الاسم الموصول، قال ابن مالك- رحمه اللّه تعالى- في ألفيته: [الرجز]
وكالّتي أيضا لديهم ذات ... وَموضع اللّاتي أتى ذوات
قال الأشموني- رحمه اللّه تعالى-: أي: عند طيئ ألحقوا ب «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضّمّ حكى الفراء: «بالفضل ذو فضّلكم اللّه به، والكرامة ذات فضّلكم اللّه بها» وقريب منه لابن هشام في أوضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة: [الرجز]
جمعتها من أينق موارق ... ذوات ينهضن بغير سائق
والفرق بين الأولى والثانية: أنّ الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها، كما رأيت؛ بخلاف الثانية؛ فإنّها معرفة بالصّلة التي تذكر بعدها، كما في بيت رؤبة: تنبّه لهذا فإنّه معنى دقيق، واسأل اللّه لي ولك المزيد من التوفيق.