فهرس الكتاب

الصفحة 1547 من 4400

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 3، ص: 126

الكتب المتقدّمة، يشهد لها بالصحّة، والثبات، وجامعا لأحكامها، وتعاليمهما. قال حسان- رضي اللّه عنه-: [الكامل]

إنّ الكتاب مهيمن لنبيّنا ... وَالحقّ يعرفه ذوو الألباب

هذا؛ ويقرأ بفتح الميم الثانية على صيغة المفعول، وفسّر بأنّ محمدا مؤتمن عليه، وحافظ له من التغيير، والتبديل، والحافظ له في الحقيقة هو اللّه تعالى بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وكذلك الحفّاظ في كل عصر.

فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي: أنزل إليك. هذا أمر يوجب الحكم بين اليهود، والنّصارى، فقيل: هذا نسخ للتخيير في قوله في الآية رقم [42] : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ. وقيل: ليس هذا وجوبا، والمعنى: فاحكم بينهم إن شئت. ولا تتبع أهواءهم ... إلخ: فهذا النهي ليس على بابه، وإنّما هو على سبيل الفرض، والتقدير. فحاشاه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يميل عن الحقّ لبعض الناس! أو: يكون الخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد أمّته. وانظر شرح الْهَوى في الآية رقم [135] من سورة النّساء فإنّه جيّد، والحمد للّه!.

لِكُلٍ أي: لكل الناس من مسلمين، ويهود، ونصارى. جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا: شريعة، وطريقة واضحة في الدّين، ومنهاجا يمشون عليه. ويتقيّدون بأحكامه. والشريعة في كلام العرب: المشرعة؛ التي يشرعها الناس، فيشربون، ويسقون منها، وقيل: الشّريعة: الطريقة، ثم استعيرت للطريقة الإلهية المؤدّية إلى الدّين. والمنهاج: الطريق الواضح. وقال بعضهم:

الشّريعة، والمنهاج عبارتان عن معنى واحد، والتكرير للتّأكيد، والمراد بها الدّين. وقال آخرون:

بينهما فرق لطيف، وهو أنّ الشريعة هي التي أمر اللّه بها عباده. والمنهاج: الطّريق الواضح المؤدّي إلى الشّريعة، ولكلّ رسول، وكتاب شريعة، يحلّ اللّه فيها ما يشاء، ويحرّم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممّن يعصيه، والدّين الذي لا يقبل غيره هو التّوحيد، والإخلاص للّه الذي جاءت به جميع الرّسل، عليهم السّلام، كما ثبت في صحيح البخاريّ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلّات، ديننا واحد» . أي: أبناء ضرائر.

وقال عليّ- رضي اللّه عنه-: الإيمان منذ بعث آدم عليه السّلام: شهادة أن لا إله إلا اللّه، والإقرار بما جاء من عند اللّه، ولكلّ قوم شريعة، ومنهاج. قال العلماء: وردت آيات دالّة على عدم التباين في طريقة الأنبياء، والرّسل، منها قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا ... إلخ رقم [13] من سورة (الشّورى) ، ومنها قوله عزّ وجل: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ... إلخ رقم [90] من سورة (الأنعام) ، ووردت آيات دالة على حصول التباين بينهم، منها قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا، وطريق الجمع بين هذه الآيات: أنّ كلّ آية دلّت على عدم التباين فهي دالّة على أصول الدّين، من الإيمان باللّه، وملائكته، وكتبه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت