تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 3، ص: 136
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ: (عسى) ليست هنا للترجّي، وإنّما هي للتحقيق. قال المفسّرون:
(عسى) من اللّه واجب؛ لأنّ الكريم إذا أطمع في خير؛ فعله، وهو بمنزلة الوعد؛ لتعلّق النفس به، ورجائها له. والمعنى: فعسى أن يأتي اللّه بالفتح لرسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على أعدائه، وإظهار دينه على الأديان كلّها. وقيل: أراد فتح مكة، وقيل: أراد فتح قرى اليهود، مثل: خيبر، وفدك، ونحوهما من بلادهم. أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ: قال السدي: يعني: ضرب الجزية على اليهود، والنصارى. وقيل: المعنى: إنّ اللّه تعالى يقطع أصل اليهود من أرض الحجاز، ويخرجهم من ديارهم بلا كلفة، وتعب، كما ألقى الرعب في قلوبهم، فتركوا أصل ديارهم، وخرّبوها بأيديهم، ورحلوا إلى الشّام.
فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا ... إلخ. أي: فيكون المنافقون نادمين على إسرارهم الكفر في قلوبهم فضلا عمّا ظهر على ألسنتهم من كلمات الكفر، وذلك إذا رأوا نصر اللّه للمؤمنين، أو إذا عاينوا العذاب عند الموت. هذا؛ وَ (يصبح) ليس على بابه من التوقيت في الصّباح، وإنّما هو بمعنى:
يصير، أو يكون.
هذا؛ وَ (ترى) ماضيه: رأى، فالقياس: ترأى، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته، كما في قول سراقة بن مرداس البارقي- وهو الشاهد رقم [504] من كتابنا: «فتح القريب» : [الوافر]
أري عينيّ ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالتّرّهات
وربّما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في: (أَرأيتكم) وَ (أَرأيت) : (أَرايتكم) وَ (أَرايت) بدون همز، قال الشاعر: [الخفيف]
صاح هل ريت أو سمعت براء ... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب
وإذا أمرت منه على الأصل؛ قلت: أرء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال (ترى) : أصله: ترأي، قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ثمّ حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الرّاء للتخفيف.
الإعراب: فَتَرَى: الفاء: حرف استئناف. (ترى) : فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر، والفاعل مستتر تقديره: أنت. الَّذِينَ: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أوّل. فِي قُلُوبِهِمْ: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول والهاء في محل جر بالإضافة. مَرَضٌ: فاعل بمتعلق الجار والمجرور، والتقدير: ترى الذين استقرّ في قلوبهم مرض. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف خبر مقدّم ومَرَضٌ: مبتدأ مؤخر؛ فعليه تكون الجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها.