فهرس الكتاب

الصفحة 1591 من 4400

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 3، ص: 169

أنّكم عليه ممّا جاءكم به موسى- عليه السّلام-، يا معشر اليهود! ولا ممّا جاءكم به عيسى- عليه السّلام- يا معشر النّصارى! فإنّكم أحدثتم، وغيّرتم ما أنزل اللّه في كتابكم. وفي هذا التعبير من التّحقير، والتّصغير ما لا غاية وراءه.

وقال ابن عباس- رضي اللّه عنهما-: جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جماعة من اليهود، منهم رافع بن حارثة، وسلّام بن مشكم، ومالك بن الصّيف، ورافع بن حرملة، وقالوا: يا محمد! ألست تزعم: أنّك على ملّة إبراهيم، ودينه، وتؤمن بما عندنا من التّوراة، وتشهد: أنّها حق؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «بلى، ولكنّكم أحدثتم، وجحدتم ما فيها ممّا أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبيّنوه للناس، فأنا بريء من إحداثكم» . قالوا: فإنّا نأخذ بما في أيدينا، فإنّنا على الحقّ والهدى، ولا نؤمن بك، ولا نتّبعك، فأنزل اللّه: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ انظر الآية رقم [66] . وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ: المراد به: القرآن، أو: كل الكتب السماوية، فيجب على اليهود، وعلى كلّ النّاس أن يعملوا بما فيها؛ إذا لم يطرأ عليها تغيير، أو تبديل.

وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ... إلخ: انظر الآية رقم [64] . هذا؛ والطّغيان: مجاوزة الحدّ. يقال:

طغا، يطغى، ويطغو، طغيانا، وطغوانا: جاوز الحدّ، وكلّ مجاوز حدّه في العصيان طاغ، قال تعالى في حقّ فرعون: إِنَّهُ طَغى أي: أسرف في الدّعوى؛ حيث قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى، والمعنى في الآية: أنّ اللّه يزيد أهل الكتاب بسبب ما ينزل من آيات القرآن تمرّدا، وفسادا في الأرض. هذا؛ وطغى البحر: هاجت أمواجه. وطغى السيل: جاء بماء كثير. قال تعالى في سورة الحاقة: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ. فَلا تَأْسَ ... إلخ: انظر الآية رقم [26] والمعنى هنا: فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم، وكفرهم بما تبلغه إليهم، فإنّ ضرر ذلك لاحق بهم، ولا يتخطّاهم، وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم. ولم يقل: عليهم، وإنّما وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بشدّة الكفر، ورسوخه في قلوبهم.

هذا؛ ولَسْتُمْ حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء، والسين؛ إذ أصل الفعل: ليس- بكسر الياء- ثمّ سكّنت للتّخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأنّ التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلمّا اتّصل بضمير رفع متحرك؛ سكّنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: (لستم) .

الإعراب: قُلْ: فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. (يا) : أداة نداء. (أهل) : منادى منصوب، وهو مضاف، والْكِتابِ: مضاف إليه. لَسْتُمْ: فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. عَلى شَيْءٍ: متعلّقان بمحذوف خبر (ليس) . حَتَّى: حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. تُقِيمُوا: فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد: حَتَّى وعلامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت