تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 4، ص: 563
به من مالك بن ذعر، فقيل: بعشرين دينارا، وزاده حلة، ونعلين، وقيل: تزايدوا في ثمنه، فبلغ أضعاف وزنه مسكا، وعنبرا، وحريرا، وورقا وذهبا، ولآلئ، وجواهر لا يعلم قيمتها إلا اللّه، فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن. لِامْرَأَتِهِ: اسمها راعيل، أو زليخا، وهو المشهور.
أَكْرِمِي مَثْواهُ: اجعلي مقامه عندنا كريما حسنا، فأكرميه في المطعم، والمشرب والملبس، والمثوى في الأصل: المنزل الذي يكون فيه الإقامة، والفرق بينه وبين المأوى، فهو مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى، فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولو مؤقتا.
عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أي: إن أردنا بيعه بعناه بربح، أو يكفينا بعض أمورنا، ويقضي حوائجنا؛ إذا قوي وبلغ. أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا أي: نتبناه، وكان عقيما لا ولد له.
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي: كما مننا على يوسف بإنقاذه من القتل، وإخراجه من الجب مكناه في أرض مصر فجعلناه على خزائنها، وصاحب الأمر والنهي فيها. وانظر الآية رقم [56] الآتية. وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي: تعبير الرؤيا وتفسيرها المنبهة على أمور تقع في المستقبل ليستعد لها، ويشتغل بتدبيرها قبل أن تحل كما فعل برؤيا الملك الآتية، وقيل: المراد إقامة العدل إذا حكم، وتدبير أمور الناس، وفهم معاني كتاب اللّه وأحكامه، وانظر ما ذكرته في الأحاديث في الآية رقم [6] . وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ قيل: الضمير يرجع إليه تعالى، ويكون المعنى: اللّه غالب على أمره يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لا راد لقضائه، ولا يغلبه شيء، وقيل:
الضمير راجع إلى يوسف، ومعناه أنه تعالى مستول على أمر يوسف بالتدبير والإحاطة، لا يكله إلى أحد سواه، حتى يبلغ منتهى ما قدره له، من علو الشأن، ورفيع المنزلة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي: لا يطلعون على الغيب. أو المراد: لا يعلمون حكمة اللّه في أحكامه، وتصريفه الأمور على حسب مشيئته وتقديره، وذكر الأكثر؛ لأن البعض لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو التقصير في النظر، وقيل: المراد بالأكثر: الجميع؛ لأن أحدا لا يعلم الغيب.
هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [8] من سورة (هود) ، وانظر القول في الآية رقم [18] من سورة (هود) ، وفي الآية الكريمة التفات من التكلم إلى الغيبة، انظر الالتفات في الآية رقم [50] من سورة (يونس) .
فائدة: قال عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنه- أحسن الناس فراسة ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف، فقال: عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى: اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ وأبو بكر حين استخلف عمر- رضي اللّه عنهما- هذا؛ وأقول: إن فراسة خديجة رضي اللّه عنها بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أعظم فراسة.
الإعراب: وَقالَ الَّذِي ماض وفاعله. اشْتَراهُ: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى الَّذِي، وهو العائد والجملة الفعلية صلة الموصول