تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 48
احفظ البيتين، ولا تنس: ما فيهما من الجناس التام، لذا فإنه لا وجود للصديق بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا، كما قال القائل: [الكامل]
قد قيل: إنّ المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخلّ الوفي
وقال الآخر: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ وفيّ ... فقالوا: ما إلى هذا سبيل
تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ ... فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل
ومما هو جدير بالذكر: أن كل صداقة لا تكون على أساس من التقوى تنقلب عداوة في الدنيا والآخرة، خذ قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ وانظر نتيجة صداقة إبليس في الآية رقم [22] من هذه السورة وفي سورة (ق) .
قال الخازن: فإن قلت: كيف نفى الخلة في هذه الآية، وفي الآية رقم [254] من سورة (البقرة) ، وأثبتها في الآية رقم [67] من سورة (الزخرف) ، وهي الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ ... إلخ قلت:
الآية الدالة على نفي الخلة (أي: نفي نفعها) محمولة على نفي الخلة الحاصلة بسبب ميل الطبيعة ورعونة النفس، والآية الدالة على حصول الخلة وثبوتها (أي: ثبوت نفعها) محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة اللّه، ألا تراه أثبتها للمتقين فقط، ونفاها عن غيرهم. وقيل: إن ليوم القيامة أحوالا مختلفة، ففي بعضها يشتغل كل خليل عن خليله، وفي بعضها يتعاطف الأخلاء، بعضهم على بعض إذا كانت المخالة للّه وفي محبته. انتهى.
الإعراب: قُلْ: أمر، وفاعله مستتر تقديره «أنت» . لِعِبادِيَ: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. الَّذِينَ: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة عبادي، أو بدل منه، أو عطف بيان عليه، وجملة: آمَنُوا: مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. يُقِيمُوا: قال أبو البقاء: فيه ثلاثة، أوجه: أحدها: هو جواب قل، وتقدير الكلام: إن تقل لهم يقيموا، قاله الأخفش، ورده قوم، قالوا: لأن قول الرسول لهم، لا يوجب أن يقيموا، وهذا عندي لا يبطل قوله؛ لأنه لم يرد بالعباد الكفار، بل المؤمنين، وإذا قال الرسول لهم: أقيموا الصلاة أقاموها، ويدل على ذلك قوله: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا والقول الثاني حكي عن المبرد، وهو أن التقدير: قل لهم: أقيموا يقيموا، فيقيموا المصرح به جواب أقيموا المحذوف، حكاه جماعة، ولم يتعرضوا لإفساده، وهو فاسد لوجهين:
أحدهما: أن جواب الشرط يخالف الشرط، إما في الفعل، أو في الفاعل، أو فيهما، فأما إذا كان مثله في الفعل والفاعل فهو خطأ، كقولك: قم تقم، والتقدير على ما ذكر في هذا الوجه