تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 549
وقيل: المعنى: نزدري بهم، ونحتقرهم، فليس لهم عندنا حظّ، ولا قدر، ولا وزن، فعن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أنه قال:"إنّه ليأتي الرّجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند اللّه جناح بعوضة، اقرؤوا إن شئتم: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا"متفق عليه.
قال القرطبي- رحمه اللّه تعالى- وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه، لما في ذلك من تكلف المطاعم، والاشتغال بها عن المكارم، بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الحاجة المبتغى به الترفه، والسمن، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم:"إنّ أبغض الرّجال إلى اللّه تعالى الحبر السّمين". ومن حديث عمران بن حصين- رضي اللّه عنه- عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال:"خيركم قرني، ثم الذين يلونهم- قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة؟ - ثمّ إنّ من بعدكم قوما يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون، ولا يؤتمنون، وينذرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن".
أخرجه البخاري ومسلم.
وهذا ذم، وسبب ذلك: أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل، والشره، والدّعة، والراحة، والأمن، والاسترسال مع النفس على شهواتها، فهو عبد نفسه لا عبد ربه، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام، وكل لحم تولد عن سحت فالنار أولى به، وقد ذم اللّه الكفار بكثرة الأكل، فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ فإذا كان المؤمن يتشبه بهم، ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله، وأزمانه، فأين حقيقة الإيمان، والقيام بوظائف الإسلام؟! ومن كثر أكله، وشربه كثر نهمه، وحرصه، وزاد بالليل كسله، ونومه، فكان نهاره هائما، وليله نائما. انتهى. هذا؛ وقد ذكرت في الآية رقم [31] من سورة (الأعراف) أضرار كثرة الأكل، والشراب. وانظر وزن الأعمال، والميزان في الآية رقم [8] منها أيضا. هذا؛ وإعلال نُقِيمُ مثل إعلال: مُقِيمَ في الآية رقم [40] من سورة (إبراهيم) عليه السّلام. هذا؛ وقد قرئ: (يقيم) على أنّ الفاعل هو اللّه، وقرئ: (يقوم) على أنّ الفاعل (وزن) ، وبه قرأ مجاهد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
فائدة، وهدية لك: ضحك الصحابة لما رأوا ساق عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنه- دقيقة نحيفة، وهو يصعد نخلة، فقال حبيب الحق، وسيد الخلق صلّى اللّه عليه وسلّم:"تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض؟". وفي رواية:"تعجبون من ساق ابن مسعود؟! إنها في الميزان أثقل من جبل أحد!". فدل هذا على أنّ الأشخاص توزن يوم القيامة، كما يحتمل التمثيل والتشبيه، واللّه أعلم بحقيقة ذلك.
الإعراب: أُولئِكَ: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. الَّذِينَ: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ: الَّذِينَ على وجه فيه بعيد، وجملة: