تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 7، ص: 604
العاطف على طريق الاستئناف، ثم جيء في هذه الآية بكلام آخر للمستضعفين، فعطف على كلامهم الأول. هذا؛ ولا تنس المقابلة، والمطابقة بين اسْتُضْعِفُوا واسْتَكْبَرُوا في هذه الآية، وفي الآيتين السابقتين، وهي من المحسنات البديعية، التي تزيد الكلام حسنا، وجمالا، وروعة، وجلالا.
بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ: المكر أصله في لسان العرب: الاحتيال، والخديعة، وقد مكر به، يمكر فهو ماكر، ومكّار، قال الشاعر: [الطويل]
قهرت العدا لا مستعينا بعصبة ... وَلكن بأنواع الخديعة والمكر
وقال زياد بن يسار: [الطويل]
تعلّم شفاء النّفس قهر عدوّها ... فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر
وهذا هو الشاهد رقم [1021] من كتابنا فتح القريب المجيب. قال الأخفش: هو على تقدير: هذا مكر الليل، والنهار. قال النحاس: والمعنى:- واللّه أعلم-: بل مكركم في الليل، والنهار. قال قتادة: بل مكركم بالليل والنهار صدنا. فأضيف المكر إلى الليل، والنهار لوقوعه فيهما، وهو كقوله تعالى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ فأضاف الأجل إلى نفسه، وهذا من قبيل قولك: ليله قائم ونهاره صائم، وقال المبرد مثله، وأنشد لجرير: [الطويل]
لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى ... وَنمت وما ليل المطيّ بنائم
ونظيره قوله تعالى في كثير من الآيات: وَالنَّهارَ مُبْصِرًا* إذ المعنى: مبصرا فيه بالضوء؛ لأن النهار لا يبصر؛ بل يبصر فيه. هذا؛ وقرئ: (بل مكر الليل والنهار) بالتنوين ونصب الظرفين، وقرئ: (بل مكر الليل والنهار) بنصب (مكر) ورفعه، وتشديد الراء، فهي قراءات ثلاث. وانظر الإعراب لإيضاح المعنى، وروي عن سعيد بن جبير- رضي اللّه عنهما-: أنه قال:
المعنى مرّ الليل، والنهار عليهم، فغفلوا. وقيل: طول السلامة فيهما، كقوله تعالى: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ. إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا أي: أشباها، وأمثالا، قال محمد بن يزيد:
فلان ند فلان؛ أي: مثله، ويقال: نديد، وأنشد: [الوافر]
أيا من تجعلون إليّ ندّا ... وَما أنتم لذي حسب نديد
والمعنى: أن المستكبرين لما أنكروا بقولهم: أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بأن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين، وأثبتوا ذلك بقولهم: بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ: أن ذلك بكسبهم، واختيارهم؛ كرّ عليهم المستضعفون بقولهم: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم، كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا؛ بل من جهة مكركم لنا دائبا ليلا، ونهارا، وحملكم إيانا على الشرك، واتخاذ الأنداد.