تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 519
لا أنها أحقّ بنفسها في أن تعقد عقد النكاح على نفسها دون وليّها، ولو كانت ثيبا، أو بنت خمسين سنة، وعن عائشة- رضي اللّه عنها-: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لا نكاح إلّا بولي، وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك؛ فهو باطل، فإن تشاجروا؛ فالسلطان وليّ من لا وليّ له» . في هذا الحديث زيادة «شاهدي عدل» وبه أخذ الشّافعيّ رضي اللّه عنه.
هذا؛ وقد كان الزّهري، والشعبيّ يقولان: إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين، فذلك نكاح جائز، وبقولهما أخذ أبو حنيفة، رضي اللّه عنه. وقال أيضا: إن زوجت نفسها غير كفؤ؛ فالنّكاح جائز، وللأولياء أن يفرّقوا بينهما. قال ابن المنذر- رحمه اللّه تعالى-: وأما ما قاله النعمان؛ فمخالف للسنة، خارج عن قول أكثر أهل العلم. وقال أبو يوسف رحمه اللّه تعالى: لا يجوز النكاح إلا بوليّ. فإن سلّم الولي جاز، وإن أبى والزوج كفؤ؛ أجازه القاضي. وهو قول محمد بن الحسن، ولا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه: أنه إذا أذن لها وليها، فعقدت النّكاح بنفسها جاز، وحمل القائلون بمذهب الزّهري قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا نكاح إلّا بوليّ» على الكمال، لا على الوجوب، واستدلّوا على هذا بقوله تعالى: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ وقوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ الآية رقم [232] الآتية، وأيضا رقم [239] ، وبما روى الدّارقطني عن سماك بن حرب، قال: جاء رجل إلى عليّ- رضي اللّه عنه- فقال: امرأة أنا وليّها، تزوّجت بغير إذني، فقال عليّ- كرم اللّه وجهه-: ينظر فيما صنعت، فإن كانت تزوّجت كفؤا؛ أجزنا ذلك لها، وإن كانت تزوجت غير كفؤ لها؛ جعلنا ذلك إليك. وفي الموطأ: أنّ عائشة- رضي اللّه عنها- زوّجت بنت أخيها عبد الرحمن؛ وهو غائب، ولكن ثبت:
أنّ عائشة قرّرت المهر، وأحوال النكاح، وتولّى العقد أحد عصبتها، ونسب العقد إلى عائشة لمّا كان تقريره إليها. واختلف في الأولياء، فالأرجح: أنّهم العصبات على ترتيب الإرث.
وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ أي: مملوك. خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أي: بحسنه، وماله، وحسبه، ومنصبه. أُولئِكَ أي: المشركون من رجال، ونساء. يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي: إلى الأعمال الموجبة إلى النار، فإن صحبتهم، ومخالطتهم، ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النّسل. وَاللَّهُ يَدْعُوا أي: المؤمنين إلى العمل المؤدي على غفران الذنوب، ثمّ إلى دخول الجنة. بِإِذْنِهِ: بتوفيقه للطاعات، وإرادته للخيرات. وبين الجملتين مقابلة، وهي من المحسّنات البديعيّة. وَيُبَيِّنُ آياتِهِ: أحكام شريعته. لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ: يتعظون، فيعملون بأحكامه، ومواعظه. انتهى كلّه من القرطبي بتصرف كبير.
الإعراب: وَلا: الواو: حرف استئناف. (لا) ناهية جازمة. تَنْكِحُوا: فعل مضارع مجزوم ب (لا) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف في الجمع للتفريق. الْمُشْرِكاتِ: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه