تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 204
وعن ابن مسعود- رضي اللّه عنه-، قال: قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «عرضت عليّ أمّتي بالمواسم، فراثت (تأخرت) عليّ أمّتي، ثمّ رأيتهم، فأعجبتني كثرتهم، وهيئتهم، قد ملؤوا السّهل، والجبل.
فقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم، قال: فإنّ مع هؤلاء سبعين ألفا، يدخلون الجنّة بغير حساب، وهم الّذين لا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون». فقام عكّاشة بن محصن الأسدي، فقال: يا رسول اللّه ادع اللّه أن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم» . فقام رجل آخر، فقال: ادع اللّه أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عكّاشة» .
وعنه- رضي اللّه عنه- قال: قال يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنّة» فكبّرنا.
ثمّ قال: «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟» فكبّرنا. ثمّ قال: «إنّي لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنّة؟» . أخرجه الشّيخان. فهذه الأحاديث في معنى الآية الكريمة: كُنْتُمْ خَيْرَ ...
إلخ، فمن اتصّف من هذه الأمّة بهذه الصّفات؛ دخل معهم في هذا المدح، كما قال قتادة- رحمه اللّه تعالى-: بلغنا: أنّ عمر- رضي اللّه عنه- في حجّة حجّها رأى من الناس كثرة، فقرأ هذه الآية: كُنْتُمْ خَيْرَ ... إلخ، ثمّ قال: (من سرّه أن يكون من هذه الأمّة؛ فليؤدّ شرط اللّه فيها) . رواه ابن جرير.
ومن لم يتّصف بذلك أشبه أهل الكتاب؛ الذين ذمّهم اللّه بقوله: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ. ولهذا مدح اللّه هذه الأمة على هذه الصّفات. هذا؛ وقال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السّنن: عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «وعدني ربّي أن يدخل الجنّة من أمّتي سبعين ألفا، مع كلّ ألف سبعون ألفا، لا حساب عليهم، ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربّي، عزّ وجلّ» . وأكتفي بهذا القدر بشأن هذه الأمّة.
الإعراب: كُنْتُمْ: فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. خَيْرَ: خبرها، وهو مضاف، وأُمَّةٍ: مضاف إليه، وقال القرطبيّ، وغيره: (كان) التّامة، والمعنى: خلقتم، ووجدتم خير أمّة، وخَيْرَ حال من تاء الفاعل.
وقيل: (كان) زائدة، والمعنى أنتم خير أمّة. وليسا بشيء؛ لأنّ كان من أفعال الاستمرار تصلح لكلّ زمان، مثل قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا* وزيادة «كان» لا تقع إلا بين شيئين متلازمين، قال ابن مالك- رحمه اللّه تعالى-: [الرجز]
وقد تزاد كان في حشو ك: ما ... كان أصحّ علم من تقدّما
أُخْرِجَتْ: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: أُمَّةٍ والتاء للتأنيث.
لِلنَّاسِ: متعلقان به، والجملة الفعلية في محل جرّ صفة: أُمَّةٍ. تَأْمُرُونَ: فعل مضارع