عن أَبي حيّةَ قَالَ:"رأَيْتُ عَلِيّا تَوَضّأَ فَغَسَلَ كَفّيْهِ حتّى أَنْقَاهُما، ثُمّ مَضْمَضَ ثَلاَثًا، واسْتَنْشَقَ ثَلاثًا، وغَسَلَ وجهْهُ ثَلاَثًا، وذِرَاعيْهِ ثَلاَثًا، ومَسَحَ بِرِأْسِه مَرّةً ثُمّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ إلى الْكَعْبَيْنِ، ثمّ قامَ فأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ فَشَرِبهُ وهُوَ قَائِمٌ"
ـــــــ
مدلس"عن أبي حية"بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتانية المفتوحة هو ابن قيس الهمداني الوادعي، عن علي، وعنه أبو إسحاق فقط، قال أحمد شيخ كذا في الخلاصة، وقال الحافظ في التقريب قيل اسمه عمرو بن نصر، وقيل اسمه عبد الله وقيل اسمه عامر بن الحارث، وقال أبو أحمد الحاكم وغيره لا يعرف اسمه مقبول من الثالثة انتهى.
قوله:"توضأ فغسل كفيه"أي شرع في الوضوء أو أراده فالفاء تعقيبية والأظهر أنها لتفصيل ما أجمل في قوله توضأ قاله القارى"فغسل كفيه"المراد من الكفين اليدان إلى الرسغين"حتى أنقاهما"أي أزال الوسخ عنهما"ومسح برأسه مرة"فيه دليل على أن السنة في مسح الرأس أن يكون مرة واحدة، وعليه الجمهور، وقد تقدم الكلام في هذا في باب ما جاء أن مسح الرأس مرة"ثم غسل قدميه إلى الكعبين"فيه رد على من جوز المسح على الرجلين بغير خف أو جورب"ثم قام فأخذ فضل طهوره"بفتح الطاء أي بقية مائه الذي توضأ به"فشربه وهو قائم"زاد في رواية للبخاري"ثم قال إن أناسًا يكرهون الشرب قائمًا وإن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت"قال ابن الملك أما شرب فضله فلأنه ماء أدى به عبادة وهي الوضوء، فيكون فيه بركة فيحسن شربه قائمًا تعليمًا الأمة أن الشرب قائمًا جائز فيه.
قلت هذا الحديث يدل على جواز الشرب قائمًا وثبت الشرب قائمًا عن عمر أخرجه الطبري، وفي الموطأ أن عمر وعثمان وعليا كانوا يشربون قيامًا، وكان سعد وعائشة لا يرون بذلك بأسًا وثبتت الرخصة عن جماعة من التابعين، وقد ثبت المنع عن الشرب قائمًا ففي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائمًا وفي رواية أخرى عنده نهى أن يشرب الرجل قائمًا، وفيه عن أبي هريرة لا يشربن أحدكم قائمًا فمن نسي فليستقي، فسلك أهل العلم في هذا مسالك: فمنهم من قال إن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، ومنهم من قال إن أحاديث النهي منسوخة بأحاديث الجواز