العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهِم: أنّ الكفّارَةَ قبلَ الحِنْثِ تجزئ. وهو قولُ مالك بن أنس والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ.
وقال بعضُ أهلِ الْعِلْمِ لا يُكَفّرُ إلاّ بَعدَ الحِنْثِ. قال سفيانُ الثوريّ: إنْ كَفّرَ بعدَ الحِنْثِ أحَبّ إليّ، وإنْ كَفّرَ قَبْلَ الحِنْثِ أجْزَأَهُ.
ـــــــ
قوله:"وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق"قال ابن المنذر: رأى ربيعة والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي: أن الكفارة تجزيء قبل الحنث، إلا أن الشافعي استثنى الصيام فقال: لا يجزيء إلا بعد الحنث. وقال أهل الرأي تجزيء: لا الكفارة قبل الحنث. وعن مالك روايتان، ووافق الحنفية أشهب من المالكية وداود الظاهري وخالفه ابن حزم، واحتج الأولون بالروايات التي وقع فيها تقديم الكفارة على الحنث، وبالروايات التي وقع فيها لفظ ثم وقد ذكرناه فيما تقدم. واحتج الطحاوي لما ذهب إليه أهل الرأي بقوله تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} فإن المراد إذا حلفتم فحنثتم.
ورده مخالفوه بل التقدير فأردتم الحنث. قال الحافظ: وأولى من ذلك أن يقال التقدير أعم من ذلك، فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر انتهى.
واحتجوا أيضًا بأن ظاهر الآية أن الكفارة وجبت بنفس اليمين، ورده من أجازها بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقًا.
واحتجوا أيضًا بأن الكفارة بعد الحنث فرض، وإخراجها قبله تطوع، فلا يقدم التطوع مقام المفروض.
وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث وإلا فلا تجزيء كما في تقديم الزكاة، وذكر عياض وجماعة أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشرة صحابيًا، وتبعهم فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة، وقد عرفت مما سلف أن المتوجه العمل برواية الترتيب المدلول عليه بلفظ ثم. ولولا الإجماع على جواز تأخير الكفارة عن الحنث لكان ظاهر الدليل أن تقديم الكفارة واجب. قال المازري: