فهرس الكتاب

الصفحة 3461 من 7409

ـــــــ

القابلة وشفقة سنهم على الأسارى بمكان قرابتهم منهم. قال التوربشتي:هذا الحديث مشكل جدًا لمخالفته ما يدل على ظاهر التنزيل، ولما صح من الأحاديث في أمر أسارى بدر، أن أخذ الفداء كان رأيًا رأوه فعوتبوا عليه، ولو كان هناك تخيير بوحي سماوي لم تتوجه المعاتبة عليه، وقد قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} إلى قوله {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وأظهر لهم شأن العاقبة بقتل سبعين منهم بعد غزوة أحد عند نزول قوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} .وممن نقل عنه هذا التأويل، من الصحابة علي رضي الله تعالى عنه، فلعل عليًا ذكر هبوط جبريل في شأن نزول هذه الآية ، وبيانها فاشتبه الأمر فيه على بعض الرواة. ومما جرأنا على هذا التقرير سوى ما ذكرناه هو أن الحديث تفرد به يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن سفيان من بين أصحابه فلم يروه غيره، والسمع قد يخطيء، والنسيان كثيرًا يطرأ على الإنسان، ثم إن الحديث يروى عنه متصلًا وروى عن غيره مرسلًا، فكان ذلك مما يمنع القول لظاهره: قال الطيبي: أقول وبالله التوفيق: لا منافاة بين الحديث والآية ، وذلك أن التخيير في الحديث وارد على سبيل الاختيار والامتحان ولله أن يمتحن عباده بما شاء، امتحن الله تعالى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} الآيتين ، وامتحن الناس بتعليم السحر في قوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} وامتحن الناس بالملكين، وجعل المحنة في الكفر والإيمان بأن يقبل العامل تعلم السحر فيكفر، ويؤمن بترك تعلمه، ولعل الله تعالى امتحن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين أمرين القتل والفداء، وأنزل جبريل عليه السلام بذلك، هل هم يختارون ما فيه رضا الله تعالى من قتل أعدائه أم يؤثرون العاجلة من قبول الفداء، فلما اختاروا الثاني عوقبوا بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} . قال القاري بعد ذكر هذا الكلام ما لفظه: قلت بعون الله إن هذا الجواب غير مقبول لأنه معلول ومدخول، فإنه إذا صح التخيير لم يجز العتاب والتعبير فضلًا عن التعذيب والتعزير، وأما ما ذكره من تخيير أمهات المؤمنين، فليس فيه أنهم لو اخترن الدنيا لعذبن في العقبى، ولا في الأولى، وغايته أنهن يحرمن من مصاحبة المصطفى لفساد اختيارهن الأدنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت