فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 7409

ـــــــ

فإن قلت: قد أجاب الحافظ ابن القيم عن قول مسلم لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل فقال: جوابه من وجهين: أحدهما أن ظاهر القرآن لا ينفي المسح على الجوربين إلا كما ينفي المسح على الخفين، وما كان الجواب عن موارد الإجماع فهو الجواب عن مسألة النزاع. الثاني: الذين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا تأوليله مسحوا على الجوربين وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن ومراد الله منه انتهى.

قلت: في كلا الوجهين من الجواب نظر. أما الوجه الأول ففيه أنه قد ورد في المسح على الخفين أحاديث كثيرة قد أجمع على صحتها أئمة الحديث فلأجل هذه الأحاديث الصحيحة تركوا ظاهر القرآن وعملوا بها، وأما المسح على الجوربين فلم يرد فيه حديث أجمع على صحته، وما ورد فيه فقد عرفت ما فيه من المقال فكيف يترك ظاهر القرآن ويعمل به. وأما الوجه الثاني ففيه أنه لم يثبت أن الجواربة التي كان الصحابة رضي الله عنهم يمسحون عليها كانت رقائق بحيث لا تستمسك على الأقدام ولا يمكن لهم تتابع المشي فيها. فيحتمل أنها كانت صفيقة ثخينة فرأوا أنها في معنى الخفاف وأنها داخلة تحت أحاديث المسح على الخفين، وهذا الاحتمال هو الظاهر عندي. وقد عرفت قول الإمام أحمد إنما مسح القوم على الجوربين لأنه كان عندهم بمنزلة الخف إلخ فلا يلزم من مسح الصحابة على الجواربة التي كانوا يمسحون عليها جواز المسح على الجوربين مطلقًا ثخينين كانا أو رقيقين فتفكر.

والراجع عندي أن الجوربين إذا كانا صفيقين ثخينين فهما في معنى الخفين يجوز المسح عليهما، وأما إذا كانا رقيقين بحيث لا يستمسكان على القدمين بلا شد ولا يمكن المشي فيهما فهما ليسا في معنى الخفين، وفي جواز المسح عليهما عندي تأمل والله تعالى أعلم.

تنبيه: اعلم أن العلامة أبا الطيب شمس الحق رحمه الله تعالى قد اختار قول من اشترط في جواز المسح على الجوربين التجليد، حيث قال في غاية المقصود: بعد ذكر المذاهب المذكورة ما لفظه: وأنت خبير أن الجورب يتخذ من الأديم وكذا من الصوف وكذا من القطن، ويقال لكل واحد من هذا إنه جورب ومن المعلوم أن هذه الرخصة بهذا العموم التي ذهبت إليها تلك الجماعة لا تثبت إلا بعد أن يثبت أن الجوربين الذين مسح عليهما النبي صلى الله عليه وسلم كانا من صوف، سواء كانا منعلين أو ثخينين فقط، ولم يثبت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت