ـــــــ
عنها بسائر أركانها. وقيل الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها. وفيه بعد عن مقتضى السياق انتهى كلامه. فلما ظهر أن في قوله تعالى {فَاقْرَأُوا} القولين المذكورين وأن القول الثاني فيه بعد لاح لك أن الاستدلال به على فرضية مطلق القراءة غير صحيح ولو سلمنا أن المراد هو القول الثاني: أعني قراءة القرآن بعينها فحديث الباب مشهور بل متواتر قال الإمام البخاري في جزء القراءة تواتر الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا صلاة إلا بقراءة أم القرآن"انتهى والزيادة بالحديث المشهور جائز عند الحنفية على أن قوله تعالى {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} عام مخصوص منه البعض فهو ظني فلا يدل على فرضية مطلق القراءة ويجوز تخصيصه ولو بالاحاديث قال الملاجيون في تفسيره ثم أقل القراءة فرضا عندنا آية واحدة طويلة كآية الكرسي وغيرها ، أو ثلاث آيات قصيرة كمدهامتان، وهذا هو الأصح وقيل إنه واحدة طويلة كانت أو قصيرة، وذلك مما لا يعتد به ينادي عليه كتب الفقه وعلى كل تقدير يكون ما دون الاَية مخصوصًا من هذا العام، فيكون العام ظنيًا فينبغي أن لا يدل على فرضية القراءة وأن يعارضه الحديث حجة للشافعي انتهى كلامه. وأما ما قيل من أن الاَية لا يسمى قراءة القرآن عرفا والعرف قاض على الحقيقة اللغوية فهذه دعوى لا دليل عليها ويلزم منهالا أن يكون {مُدْهَامَّتَانِ} التي هي كلمة واحدة قراءة القرآن ولا يكون أكثر آية المداينة التي هي كلمات كثيرة قراءة القرآن وهذا كما ترى، وأيضًا يلزم منه أنه لو قرأ أحد نصف آية المداينة في الصلاة لا تجوز. وعامة الحنفية على جوازها. قال في فتح القدير. ولو قرأ نصف آية المداينة قيل لا يجوز لعدم تمام الاَية وعامتهم على الجواز انتهى.
فإن قلت قوله صلى الله عليه وسلم حين تعليم المسيء صلاته:"إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"رواه البخاري يدل على عدم فرضية الفاتحة إذ لو كانت فرضا لأمره لأن المقام مقام التعليم فلا يجوز تأخير البيان عنه.
قلت: قد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة الفاتحة فأخرج أبو داود في سننه من حديث رفاعة بن رافع مرفوعًا"وإذا قمت فتوجهت فكبر ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ"وأجاب الخطابي عن هذا بأن قوله"ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"ظاهر الإطلاق التخيير لكن المراد به فاتحة الكتاب بدليل حديث عبادة وهو كقوله تعالى {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ثم عينت السنة المراد. والحاصل أن قراءة الفاتحة في الصلوات فرض من فروضها ولم يقم دليل صحيح على ما ذهب إليه الحنفية. هذا ما عندي والله تعالى أعلم