تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 302
المؤمن من المنافق، وليتميّز أحدهما من الآخر، كقوله جلّ ذكره: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ رقم [141] . هذا؛ والنفاق: إظهار الإيمان، وإخفاء الكفر، وسمّي المنافق منافقا، أخذا من: نافقاء اليربوع، وهو جحره الذي يقيم فيه، فإنّه يجعل له بابين، ويدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكافرين بقوله: أنا كافر. وكان المنافقون في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثمئة من الرجال، ومئة من النساء، هذا وقال تعالى في سورة (التوبة) : الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ... إلخ.
هذا؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب في القول، ويخلف في الوعد، ويخون في الأمانات، ويفجر في الخصومة، فهذا يقال له: نفاق العمل، وأمّا الأول؛ فيقال له: نفاق العقيدة، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشدّ منه، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [145] : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا. وقد حذّر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من نفاق العمل، والاتصاف به، فإنّه يجرّ إلى نفاق العقيدة. وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» . رواه البخاريّ، ومسلم. وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص- رضي اللّه عنه-: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أربع من كنّ فيه؛ كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ، كانت فيه خصلة من النّفاق؛ حتّى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» . رواه البخاريّ، ومسلم.
وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا: المقول له عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول المنافق، وأصحابه، وذلك: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا خرج إلى أحد بألف رجل؛ حتى إذا كان بالشّوط بين أحد، والمدينة؛ انخذل عبد اللّه المنافق بثلث النّاس، وقال: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟! فرجع بمن معه من المنافقين، فتبعهم عبد اللّه بن عمرو بن حرام أبو جابر- رضي اللّه عنه-، وهو يقول:
يا قوم! أذكّركم اللّه أن تخذلوا نبيّكم عند حضور عدوّه! تعالوا قاتلوا في سبيل اللّه- أي: لأجل دين اللّه وطاعته- أو ادفعوا عن أموالكم، وأهليكم! وقيل: معناه: تعالوا كثّروا سواد المسلمين؛ إن لم تقاتلوا، ليكون ذلك دفعا، وقمعا للعدو، فإنّ السّواد إذا كثر؛ حصل دفع العدو. قال أنس- رضي اللّه عنه-: رأيت يوم القادسية عبد اللّه ابن أمّ مكتوم الأعمى، وعليه درع يجرّ أطرافها.
وبيده راية سوداء، فقيل له: أَليس قد أنزل اللّه عذرك؟ فقال: بلى، ولكنّي أكثّر سواد المسلمين بنفسي. ومعنى قوله- رضي اللّه عنه-: إن لم تقاتلوا في سبيل اللّه، فقاتلوا دفعا عن أنفسكم، وحريمكم. ألا ترى أنّ قزمان بن الحارث العبسي المنافق، قال: واللّه ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، وقال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ اللّه ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر» .