تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 567
علما كان، أو عملا، فهو يتضمّن معنى الغلبة، يقال: ثقف، يثقف ثقفا. ويقال: رجل ثقف لقف أي: خفيف حاذق، إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور، فالفعل من باب ظرف، يظرف، ويأتي من باب طرب. قال الشّاعر: [الوافر]
فإمّا تثقفوني فاقتلوني ... فمن أثقف فليس إلى خلود
وَأُولئِكُمْ: الإشارة إلى المنافقين المخادعين. جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا: حجة واضحة لظهور عداوتهم، وانكشاف حالهم في الكفر، والغدر، وإضرارهم بالمسلمين، أو تسلطا ظاهرا؛ حيث أذنّا لكم في قتلهم. هذا؛ وَ (سلطان) : تسلّط، وولاية، ويأتي بمعنى الحجّة، والبرهان كما هنا، وكما في قوله تعالى: وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ. ويأتي بمعنى الكتاب، قال تعالى في سورة (الرّوم) رقم [35] : أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ. وقال بعض المحقّقين: سمّيت الحجّة سلطانا؛ لأنّ صاحب الحجّة يقهر من لا حجّة له، كالسّلطان يقهر غيره بقوّته. وقال الزجّاج: السّلطان: هو الحجّة، وسمّي السلطان سلطانا؛ لأنّه حجّة اللّه في أرضه. ولا تنس ما قاله عثمان- رضي اللّه عنه-: «إنّ اللّه ليزع بالسّلطان مالا يزع بالقرآن» . أي: يكفّ عن المعاصي، ويروّع. وجمعه بمعنى الحاكم:
سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجّة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفرّاء: أنّ العرب تؤنّث السّلطان، فتقول: قضت به عليك السّلطان، أمّا البصريّون؛ فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن الكريم، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنّه بمعنى الحجّة. هذا؛ والسّلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة، كما قال تعالى حكاية عن قول سليمان- على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- في حقّ الهدهد: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ رقم [21] من سورة (النّمل) .
هذا؛ وَ (مُبِينٍ) اسم فاعل من: أبان الرّباعي، أصله: مبين، بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأنّ الحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، ولا تنس: أنّ اسم الفاعل من: بان الثلاثي، بائن، أصله: باين، فقلبت الياء ألفا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتدّ بالألف الزائدة؛ لأنّها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، فصار: بائن، وقل مثله في إعلال: قائل، وقائم.
هذا؛ وقال مكيّ بن أبي طالب القيسيّ- رحمه اللّه تعالى- في التركيب: فَإِنْ لَمْ: دخلت (إن) على: لَمْ ليرتدّ الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأنّ (لَمْ) تردّ لفظ المستقبل إلى معنى المضي، وَ (أَنْ) تردّ الماضي إلى معنى الاستقبال، فلمّا صارت لَمْ ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي؛ ردّتها (أَنْ) إلى الاستقبال؛ لأنّ (أَنْ) تردّ الماضي إلى معنى الاستقبال في غير هذا الموضع.