تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 651
-رحمه اللّه تعالى-: إنّما سمّي الهوى هوى؛ لأنّه يهوي بصاحبه إلى النار. وقال ابن عباس- رضي اللّه عنهما-: ما ذكر اللّه هوى في القرآن إلا ذمّه، وذكر آياته الكثيرة، وقال عبد اللّه بن عمرو- رضي اللّه عنهما- عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به» . والأحاديث في ذلك كثيرة، وقال الأصمعي- رحمه اللّه تعالى-: سمعت رجلا يقول: [الكامل]
إنّ الهوان هو الهوى قلب اسمه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وسئل ابن المقفّع عن الهوى، فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شاعر، فنظمه: [الكامل]
نون الهوان من الهوى مسروقة ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وقال سهل بن عبد اللّه التستري: هواك داؤك، فإن خالفته، فدواؤك، وللعلماء في هذا الباب في ذمّ الهوى ومخالفته كتب، وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه، وحسبك قوله تعالى:
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى.
أَنْ تَعْدِلُوا أي: لأن تعدلوا عن الحقّ، أو كراهة أن تعدلوا. من العدل. والأول بمعنى:
أن تميلوا، وهو أحد الأفعال التي يتغيّر معناها بتغير الجار، تقول: عدلت عنه بمعنى: أعرضت عنه، وتقول: عدلت إليه بمعنى: أقبلت عليه. وانظر الآيتين رقم [27 و 127] والفعل «تعدل» جاء هنا محتملا لمعنى الميل، والمعنى العدل، وقد يجيء محتملا لمعنى الميل، ومعنى التّسوية، فذلك كما في قوله تعالى في أول سورة (الأنعام) : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ فإن جعلت الجار والمجرور: بِرَبِّهِمْ متعلقين ب يَعْدِلُونَ كان المعنى: إنّ الكفار يسوّون الأصنام بربهم، وإن جعلتهما متعلقين بالفعل: كَفَرُوا كان: يَعْدِلُونَ بمعنى: يميلون، والمعنى:
إنّ الكفار يميلون، وينحرفون عن إفراد اللّه تعالى بالوحدانية. وانظر (المائدة) رقم [8] .
وَإِنْ تَلْوُوا أي: ألسنتكم عن شهادة الحقّ، فلا تؤدّونها كما ينبغي. هذا ويقرأ بضم اللام، وإسكان الواو من الولاية، بمعنى: وإن وليتم إقامة الشّهادة فأدّوها على وجهها. أَوْ تُعْرِضُوا أي: عن أدائها؛ إذا دعيتم إلى أدائها. وهو حرام قطعا، قال تعالى في آخر سورة (البقرة) : وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ انظر شرحها هناك؛ فإنّه جيد، والحمد للّه!.
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من الجور في الشّهادة، أو من أدائها على وجهها. خَبِيرًا: بأقوالكم، وأفعالكم. ففي الآية تهديد، ووعيد شديدان.
تنبيه: قال السّدّيّ- رحمه اللّه تعالى-: إنّ فقيرا، وغنيّا اختصما إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فكان صغوه، واستماعه للفقير أكثر، يرى: أنّ الفقير لا يظلم الغنيّ، فأنزل اللّه هذه الآية، وأمر بالقيام بالقسط مع الفقير، والغني. وقيل: إنّ هذه الآية متعلقة بقصّة طعمة بن أبيرق المذكورة في الآية رقم [105] وما بعدها، فهي خطاب لقومه الّذين جادلوا عنه، وشهدوا بالباطل. والأولى التّعميم لحكمها في كلّ زمان، ومكان.