فهرس الكتاب

الصفحة 4318 من 4400

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 7، ص: 679

ومن بعدهم إلى يوم القيامة؛ لأن اللّه اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطا؛ ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله، ثم رتبهم على مراتب، فقال:

فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ: وهو المرجأ لأمر اللّه. وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ: هو الذي خلط عملا صالحا، وآخر سيئا. وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ: يضم إلى العمل التعليم، والإرشاد إلى العمل، وهذا التأويل يوافق التنزيل، فإنه تعالى قال في الآية رقم [101] من سورة (التوبة) : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ ... إلخ. وقال بعده في الآية رقم [103] منها: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا ... إلخ. وقال بعده في الآية رقم [107] منها: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ ... إلخ.

ويوافق الحديث، فقد روي عن عمر- رضي اللّه عنه-: أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:"سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له". وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم:"السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا، ثم يدخل الجنة، وأما الظالم لنفسه فيحبس؛ حتى يظنّ: أنه لا ينجو، ثم تناله الرحمة، فيدخل الجنة". رواه أبو الدرداء.

ويوافق الأثر، فعن ابن عباس- رضي اللّه عنهما-: أنه قال: السابق: المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر بالنعمة غير الجاحد لها؛ لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة.

ويوافق التأويل السابق قول السلف، فقد قال الربيع بن أنس- رحمه اللّه تعالى-: الظالم:

صاحب الكبائر. والمقتصد: صاحب الصغائر. والسابق: المجتنب لهما. وقال الحسن البصري: الظالم: من رجحت سيئاته. والسابق: من رجحت حسناته. والمقتصد: من تساوت حسناته، وسيئاته. وسئل أبو يوسف عن هذه الآية، فقال: كلهم مؤمنون، وأما صفة الكفار فبعد هذا، وهو قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا ... إلخ الآية رقم [36] الآتية.

وأما الطبقات الثلاث فهم الذين اصطفى اللّه من عباده، فإنه قال: فَمِنْهُمْ (و منهم) ، وَمِنْهُمْ والكل راجع إلى قوله تعالى: الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا وهم أهل الإيمان. وعليه الجمهور، وإنما قدم الظالم؛ للإيذان بكثرة الظالمين لأنفسهم بالمعاصي، والسيئات، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل، وقال ابن عطاء: إنما قدم الظالم؛ لئلا ييأس من فضله. وقيل: إنما قدمه؛ ليعرفه: أن ذنبه لا يبعده من ربه، وليس التقديم للتشريف، ولا يقتضيه. قال تعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ الآية رقم [20] من سورة الحشر.

وقيل: إن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر؛ قدموا الأدنى كالآية المذكورة، وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ الآية رقم [167] من سورة (الأعراف) ، وقوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ الآية رقم [49] من سورة (الشورى) .

وقيل: إن أول الأحوال معصية، ثم توبة، ثم استقامة. وقال سهل بن عبد اللّه: السابق: العالم.

والمقتصد: المتعلم. والظالم: الجاهل. وقال أيضا: السابق: الذي اشتغل بمعاده. والمقتصد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت