حِينَ تَكَلّمَ بهِ، أنّه حَمِدَ الله وأثنَى عليهِ ثُمّ قالَ: إنّ مَكةَ حَرّمَهَا الله ولم يُحَرّمْهَا النّاسُ ولا يَحِلّ لامرئ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخر أنْ يَسْفِكَ فيهَا دمًا أَو يَعْضِدَ بهَا شَجَرَةً فإِنْ أَحَدٌ تَرَخّصَ بقِتَالِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فِيهَا فَقُولُوا لهُ: إنّ الله أذِنَ لرسولهِ صلى الله عليه وسلم ولَمْ يَأْذَنْ لَكَ وإنما أَذِنَ لي فيه سَاعةً مِنْ النّهَارٍ، وقَدْ عادتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بالأمْسِ ولُيبَلّغْ الشّاهدُ الغَائبَ"فَقِيلَ لأبي شُرَيحٍ: ما قالَ لكَ عَمْروُ؟ قالَ أنَا أَعْلَمُ مِنْكَ بِذَلِكَ يا أبا شُرَيحٍ، إنّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا ولا فَارًّا بِدَمٍ ولا فَارًّا بخَرْبَةٍ."
ـــــــ
بل مع المشاهدة"أنه حمد الله الخ"هو بيان لقوله تكلم"إن مكة حرمها الله تعالى"أي جعلها محرمة معظمة. قال الحافظ: أي حكم بتحريمها وقضاه ولا معارضة بين هذا وبين قوله في حديث أنس: أن إبراهيم حرم مكة لأن المعنى أن إبراهيم حرم مكة بأمر الله تعالى لا باجتهاده انتهى"ولم يحرمها الناس"أي من عندهم، أي أن تحريمها كان بوحي من الله لا باصلاح الناس"أن يسفك"بكسر الفاء وحكى ضمها وهو صب الدم والمراد به القتل"بها"أي بمكة"أو يعضد"بكسر الضاد المعجمة أي يقطع بالمعضد وهو آلة كالفاس"فإن"شرطية"أحد"فاعل فعل محذوف وجوبًا يفسره"ترخص"نحو قوله تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} "ولم يأذن لك"وبه تم جواب المترخص ثم ابتدأ وعطف على الشرط فقال"وإنما أذن"أي الله"ساعة"أي مقدار من الزمان والمراد به يوم الفتح. وفي مسند أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ذلك كان من طلوع الشمس إلى العصر، والمأذون فيه القتال لا الشجر"وقد عادت"أي رجعت"حرمتها اليوم"أي يوم الخطبة المذكورة"كحرمتها بالأمس"أي ما عدا تلك الساعة ويمكن أن يراد بالأمس الزمن الماضي"ما قال لك عمرو بن سعيد"أي في جوابك"قال"أي عمرو"بذلك"أي الحديث أو الحكم"يا أبا شريح"يحتمل أن يكون النداء تتمة لما قبله أو تمهيدًا لما بعده"إن الحرم"وفي رواية للبخاري أن مكة"لا يعيذ"من الاعاذة أي لا يجيز ولا يعصم"عاصيًا"أي أن إقامة الحد عليه"ولا فارًا بدم"أي هاربًا عليه دم يعتصم بمكة كيلا يقتص منه"ولا فارًا بخربة"قال الحافظ بفتح المعجمة وإسكان الراء ثم