ـــــــ
التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر وعن الطهارة منها فقال: لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر طهور.
وروى الدارقطني في سننه عن جابر قيل يا رسول الله انتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم وبما أفضلت السباع، وهذه الأحاديث تؤيد ما قال المالكية والشافعية من أن غرض عمر من قوله لا تخبرنا أن كل ذلك عندنا سواء أخبرتنا أو لم تخبرنا فلا حاجة إلى إخبارك فتفكر.
والحاصل: أن الاستدلال بقول عمر المذكور على المذهب الرابع ليس بمستقيم، على أنه ليس فيه ما يدل على ما في المذهب الرابع من التحريك وتحديده.
فإن قلت: كيف قلتم إن المذهب الرابع أيضًا ضعيف لم يقم عليه دليل صحيح. وقد أقام عليه الحنفية دلائل من الكتاب والسنة.
قال صاحب البحر الرائق استدل أبو حنيفة على ما ذكره الرازي في أحكام القرآن بقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} والنجاسات لا محالة من الخبائث فحرمها الله تعالى تحريمًا مبهمًا ولم يفرق بين حالة اختلاطها وانفرادها بالماء فوجب تحريم كل ما تيقنا فيه جزءًا من النجاسة ويكون جهة الحظر من النجاسة أولى من جهة الإباحة لأن الأصل أنه إذا اجتمع المحرم والمبيح قدم المحرم، ويدل عليه من السنة قوله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة وفي لفظ آخر ولا يغتسل فيه من جنابة ومعلوم أن البول القليل في الماء الكثير لا يغير لونه ولا طعمه ولا رائحته، ويدل أيضًا قوله عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثًا قبل أن يدخلها في الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده، فأمر بغسل اليد احتياطًا من نجاسة أصابته من موضع الاستنجاء، ومعلوم أنها لا تغير الماء ولولا أنها مفسدة عند التحقيق لما كان للأمر بالاحتياط معنى، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم، بنجاسته بولوغ الكلب بقوله طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعًا وهو لا يغير وهذا كلام الرازي.
والحاصل أنه حيث غلب على الظن وجود نجاسة في الماء لا يجوز استعماله لهذه الدلائل لا فرق بين أن يكون قلتين أو أكثر أو أقل تغير أو لا وهذا هو مذهب أبي حنيفة والتقدير بشيء دون شيء لا بد من نص ولم يوجد انتهى كلام صاحب البحر الرائق: