ـــــــ
وقال أيضًا وما صرنا إليه يشهد له الشرع والعقل، أما الشرع فقد قدمنا الأحاديث الواردة في ذلك.
وأما العقل فإنه إذا لم يتيقن بعدم النجاسة إلى الجانب الآخر أو يغلب على ظننا والظن كاليقين فقد استعملت الماء الذي فيه نجاسة يقينًا، وأبو حنيفة لم يقدر ذلك بشيء بل اعتبر غلبة ظن المكلف فهذا دليل عقلي مؤيد بالأحاديث الصحيحة المتقدمة، فكان العمل به متعينًا انتهى.
قلت: هذه الدلائل كلها غير مفيدة: أما الاستدلال بآية {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} فلأن هذه الآية تفيد تحريم أكل الخبائث لا مطلق استعمالها، بقرينة ما قبله، وهو قوله تعالى"ويحل لهم الطيبات"فإن الحل والحرمة غالبًا يستعملان في المأكولات ولذا فسر المفسرون الخبائث بالميتة والدم والخنزير وأمثال ذلك. فالمعنى يحل لهم أكل الطيبات ويحرم أكل الخبائث فإذن لا تفيد الآية إلا حرمة النجاسة المخلوطة بالماء أكلًا لا حرمة مطلق استعمالها، ولئن سلمنا أن المراد تحريم استعمال مطلق النجاسة فلا يفيد أيضًا إذا الماء سيال بالطبع مغير لما اختلط به إلى نفسه إذا غلب عليه فإذا وقعت النجاسة في ماء ولم يغلب ريحه أو لونه أو طعمه عليه حصل العلم بأن تلك النجاسة فيه قد تغيرت إلى طبيعة الماء الغالب ولم تبق نجاسة وخبيثة فينبغي الوضوء حينئذ سواء تحرك جانب منه بتحريك جانب منه أو لم يتحرك بخلاف ما إذا غلب ريحه أو طعمه أو لونه فإنه ح يعلم مغلوبية الماء وبقاء النجاسة على حالها فلا يجوز الوضوء ح وأما الاستدلال بحديث لا يبولن فلأنه بعد تسليم دلالته على التحريم والتنجس إنما يفيد تنجس الماء الدائم في الجملة لا على تنجس كل ماء، ولو حمل على الكلية للزم تنجس الحوض الكبير أيضًا بالبول ولا قائل به، وكذا الاستدلال بحديث الاستييقاظ فإنه لا يدل إلا على تنجس الماء في الجملة لا على الكلية، فلا ينتهض هذا وأمثاله إلا إلزاما على من قال بالطهارة مطلقًا لا تحقيقًا لمذهب أبي حنيفة، وكذا حديث ولوغ الكلب وأمثاله.
وأما شهادة العقل فتعارضه شهادة أخرى وهي ما مر من كون الماء مغيرًا إلى نفسه، وبالجملة الدلائل لا تثبت التحديد بالتحريك، وأما التحديد بالقلتين فقد ثبت من كلام الشارع بنفسه، وكذا التحديد بالغير وعدمه ثابت من كلامه الشارع ومؤيد بشهادة العقل أيضًا، والقياسات العقلية والاستنباطات الفقهية من الآيات المبهمة والأحاديث المطلقة لا تعارض هذه التحديدات المصرحة، كذا أجاب صاحب السعاية حاشية شرح الوقاية وهو من العلماء الحنفية. وقد أجاد وأصاب ثم قال: والذي أظن أن هذه