ـــــــ
الأخبار لم تصل إلى الإمام أبي حنيفة أو وصلته وحملها على معنى لاح له وإلا لقال بها حتمًا ولم يحتج إلى الاستنباط قطعًا، ولقوة دليل الشافعية والمالكية في هذا الباب جوز أصحابنا تقليدهم في ذلك، بل قلدهم أبو يوسف في بعض الوقائع مع كونه مجتهدًا، قد صرحوا بأن المجتهد يحرم عليه التقليد كما في الطريقة المحمدية وشرحها الحديقة الندية، وقد جوز أئمتنا الحنفية الأخذ في باب الطهارة بمذهب الغير ولو كان الأخذ بعد صدور الفعل فاسدًا في مذهبه، كما حكى أن أبا يوسف اغتسل ليوم الجمعة وصلى بالناس إمامًا ببغداد فوجدوا في البئر اغتسل من مائه فأرة ميتة فأخبر بذلك فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة تمسكًا بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا". كذا في التاتار خانية وغيرها، ولعل حرمة التقليد للمجتهد مقيدة بما إذا لم يكن ما قلده حكمًا قويًا موافقًا للقياس داخلا في ظاهر النص، فإذا كان حكمًا ضعيفًا مخالفًا للقياس غير داخل في ظاهر النص يحرم تقليد المجتهد فيه لمجتهد آخرو هذه المسألة الحكم فيها قوي لأن عدم التغير بوقوع النجاسة دليل على بقاء الطهارة موافق للقياس داخل في ظاهر النص وهو حديث القلتين انتهى كلامهما ملخصًا انتهى كلام صاحب السعاية.
الفائدة الثالثة: تمسك الظاهرية بحديث الباب على أن البئر لا تتنجس بوقوع النجاسة فيها قليلًا كان الماء فيها أو كثيرا تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير، وقد عرفت أن حديث الباب وما في معناه ليس على إطلاقه وعمومه بل هو مخصوص بأحاديث أخرى صحيحة.
ولنا أن نذكر ههنا مذاهب أخرى في طهارة البئر ونجاستها: فاعلم أنهم اختلفوا فيما إذا وقعت نجاسة في البئر هل تتنجس أم لا على مذاهب.
الأول: مذهب الظاهرية وقد ذكرناه آنفًا.
والثاني: أنه إن تغير لونه أو طعمه أو ريحه يتنجس وإلا لا، وهو مذهب المالكية وتمسكوا بحديث: الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه وقد تقدم تخريجه.
والثالث: أن الماء في البئر إن كان دون القلتين يتنجس وإن كان قدر القلتين فصاعدًا لا يتنجس إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه وهو مذهب الشافعية، وتمسكوا بحديث القلتين وهو المذهب الراجح وبه عمل الإمام أبو يوسف في بغداد كما عرفت أن أبا يوسف اغتسل يوم الجمعة وصلى بالناس إمامًا ببغداد فوجدوا في البئر الذي اغتسل من مائه فأرة ميتة فأخبر بذلك فقال نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة تمسكًا بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال:"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا". كذا في التتارخانية وغيرها.