إِلَى بَيْتٍ كَانَ لَهُ فِي النَّارِ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا بَيْتُكَ كَانَ لَكَ فِي النَّارِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ وَرَحِمَكَ، فَأَبْدَلَكَ بِهِ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأُبَشِّرَ أَهْلِي، فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَيَنْتَهِرُهُ فَيَقُولُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْبُدُ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، فَيُقَالُ لَهُ: فَمَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيَضْرِبُهُ بِمِطْرَاقٍ مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا الْخَلْقُ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ"أبو داود [1] "
186.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ، فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللهِ، وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ مِسْكٍ حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَاتُوا بِهِ بَابَ يَعْنِي السَّمَاءِ فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَيَاتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ"
(1) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 1096) 4751 - (صحيح)
قال الخطابي: وقوله:"لا دَرْيْتَ ولا تَلَيتَ". هكذا يقول المحدثون وهو غلط، وقد ذكره القتيبي في"غريب الحديث"وقال: فيه قولان، بلغني عن يونس البصري أنه قال هو: لا دريت ولا أَتْلَيتَ ساكنة التاء يدعو عليه بأن لا تُتلِيَ ابله، أي: لا يكون لها أولاد تتلوها، أي: تتبعها، يقال للناقة: قد أتلت فهي مُتلية، وتلاها ولدها: إذا تبعها.
قال: وقال غيره: هو لا دريت ولا ائتَلَيتَ بوزن افتعلت من قولك: ما ألوت هذا ولا استطعته، كإنه يقول: لا دريت ولا استطعت.
فِي الحديث ذَمُّ التَّقْلِيد فِي الِاعْتِقَادَات , لِمُعَاقَبَةِ مَنْ قَالَ:"كُنْت أَسْمَعُ النَّاس يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُه".
وَفِيهِ أَنَّ الْمَيِّت يَحْيَا فِي قَبْره لِلْمَسْأَلَةِ , خِلَافًا لِمَنْ رَدَّهُ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {قَالُوا رَبّنَا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اِثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] قَالَ: فَلَوْ كَانَ يَحْيَا فِي قَبْره , لَلَزِمَ أَنْ يَحْيَا ثَلَاث مَرَّات , وَيَمُوت ثَلَاثًا , وَهُوَ خِلَافُ النَّصّ.
وَالْجَوَاب: أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَيَاةِ فِي الْقَبْر لِلْمَسْأَلَةِ , لَيْسَتْ الْحَيَاة الْمُسْتَقِرَّة الْمَعْهُودَة فِي الدُّنْيَا الَّتِي تَقُوم فِيهَا الرُّوح بِالْبَدَنِ , وَتَدْبِيرِه وَتَصَرُّفه , وَتَحْتَاج إِلَى مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ الْأَحْيَاء، بَلْ هِيَ مُجَرَّدُ إِعَادَةٍ لِفَائِدَةِ الِامْتِحَان الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، فَهِيَ إِعَادَةٌ عَارِضَة، كَمَا حَيِيَ خَلْق لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاء لِمَسْأَلَتِهِمْ لَهُمْ عَنْ أَشْيَاء , ثُمَّ عَادُوا مَوْتَى. فتح الباري (ج 4 / ص 449) والجامع الصحيح للسنن والمسانيد (1/ 263)
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سُؤَالُ مَلَكٍ وَاحِدٍ وَفِي غَيْرِهِ سُؤَالُ مَلَكَيْنِ وَلَا تَعَارُضَ فِي ذَلِكَ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ صَحِيحُ الْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَشْخَاصِ فَرُبَّ شَخْصٍ يَاتِيَانِهِ جَمِيعًا وَيَسْأَلَانِهِ جَمِيعًا فِي حَالٍ وَاحِدٍ عِنْدَ انْصِرَافِ النَّاسِ عَنْهُ لِيَكُونَ السُّؤَالُ أَهْوَلَ وَالْفِتْنَةُ فِي حَقِّهِ أشد وأعظم وذلك بحسب ما اقترفه من الآثام واجترح من سيء الْأَعْمَالِ وَآخَرَ يَاتِيَانِهِ قَبْلَ انْصِرَافِ النَّاسِ عَنْهُ وَآخَرٍ يَاتِيهِ أَحَدُهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَخَفَّ فِي السُّؤَالِ لِمَا عَمِلَهُ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ (فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى) إِنَّ شَرْطِيَّةً (هَدَاهُ) أَيْ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ (قَالَ كُنْتُ أَعْبُدُ اللَّهَ) جَزَاءُ الشَّرْطِ (مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ) عَبَّرَ بِذَلِكَ امْتِحَانًا لِئَلَّا يَتَلَقَّنَ تَعْظِيمَهُ مِنْ عِبَارَةِ الْقَائِلِ قِيلَ يُكْشَفُ لِلْمَيِّتِ حَتَّى يَرَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهِيَ بُشْرَى عَظِيمَةٌ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ صَحَّ ذَلِكَ وَلَا نَعْلَمُ حَدِيثًا صَحِيحًا مَرْوِيًّا فِي ذَلِكَ وَالْقَائِلُ بِهِ إِنَّمَا اسْتَنَدَ لِمُجَرَّدِ أَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِحَاضِرٍ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ لِمَا فِي الذِّهْنِ فَيَكُونُ مَجَازًا قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ غَيْرَهُمَا (فَيُنْطَلَقُ بِهِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَيَنْتَهِرُهُ) أَيْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ وَقَوْلَهُ تَشْدِيدًا فِي السؤال (لادريت) أَيْ لَا عَلِمْتَ مَا هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ (وَلَا تَلَيْتَ) أَيْ وَلَا قَرَاتَ الْكِتَابَ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ تَلَوْتُهُ كَدَعَوْتُهُ وَرَمَيْتُهُ تَبِعْتُهُ وَالْقُرْآنُ أَوْ كُلُّ كَلَامٍ قَرَاتُهُ وَقِيلَ أَصْلُهُ تَلَوْتُ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِلِازْدِوَاجِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَلَا اتَّبَعْتَ أَهْلَ الْحَقِّ أَيْ مَا كُنْتَ مُحَقِّقًا لِلْأَمْرِ وَلَا مُقَلِّدًا لِأَهْلِهِ (بِمِطْرَاقٍ) الطَّرْقُ الضَّرْبُ وَالْمِطْرَاقُ آلَتُهُ (غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ) أَيِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ"عون المعبود وحاشية ابن القيم (13/ 61) والمهذب من أحاديث التَّرْغِيب وَالتَّرْهِيب (علي بن نايف الشحود) (ص: 2167) "