1493. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيك، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ: «مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ، وَإِنَّ مِنَ الخُيَلَاءِ مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُحِبُّ اللَّهُ، فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ فَاخْتِيَالُهُ فِي الْبَغْيِ» أَبُو دَاوُدَ [1]
1494. عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ، فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلَ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» أبو دَاوُدَ [2]
(1) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 565) 2659 - (حسن لغيره)
قال الخطابي: معنى الاختيال في الصدقة: أن يَهُزَّه أريحية السخاء، فيعطيها طيبة نفسه بها، من غير مَنٍّ ولا تصريد [أي: تعاظم على الفقير] واختيال الحرب، أن يتقدم فيها بنشاط نفسٍ، وقوة جَنان، ولا يكبَعُ [من الكبوع، وهو الذل والخضوع] ولا يجبُن.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ، فَوَجَدْنَا فِيهِ أَنَّ الْخُيَلَاءَ الَّتِي يُحِبُّهَا اللهُ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الصَّدَقَةِ وَعِنْدَ الْقِتَالِ، فَكَانَ اخْتِيَالُهُ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ مَعْقُولًا الْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ، وَأَنَّهُ مِمَّا يُرْعِبُ بِهِ عَدُوَّهُ الَّذِي حَضَرَ لِقِتَالِهِ، وَمِمَّا يَزِيدُ مِنَ اقْتِدَارِهِ عَلَيْهِ وَقِلَّةِ اكْتِرَاثِهِ بِهِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْخُيَلَاءِ عِنْدَ الْقِتَالِ كَانَ مِثْلَهُ الْخُيَلَاءُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ يُعَارِضُهُ الشَّيْطَانُ، فَيُلْقِي فِي قَلْبِهِ نَقْصَ مَالِهِ بِالصَّدَقَةِ الَّتِي يُحَاوِلُهَا، وَيُخَوِّفُهُ الْفَقْرَ إِذَا كَانَتْ مِنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268] ، وَكَانَ إِذَا اخْتَالَ عِنْدَ صَدَقَتِهِ لِيُرِيَ بِذَلِكَ شَيْطَانَهُ قِلَّةَ اكْتِرَاثِهِ فِيمَا يُلْقِيهِ فِي قَلْبِهِ مِمَّا يَمْنَعُهُ بِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا يُصَغِّرُ شَيْطَانَهُ فِي نَفْسِهِ، وَمِمَّا يَهِمُّ صَاحِبُ ذَلِكَ الْمَالِ بِمَا يَفْعَلُهُ فِيهِ مِمَّا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ قَاهِرًا لَهُ فِيهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الصَّدَقَةِ نَظِيرَ مَا يَكُونُ مِنَ الْمُقَاتِلِ فِي الِاخْتِيَالِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ عِنْدَهُ، وَيَكُونُ حَمْدُهُ عَلَى ذَلِكَ كَحَمْدِ الْمُخْتَالِ عِنْدَ الْقِتَالِ فِي اخْتِيَالِهِ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ. شرح مشكل الآثار (11/ 502)
(2) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 562) 2645 - (صحيح) واختلف في وصله وإرساله (1)
قال الخطابي: إنما أمر بنصف العقل، ولم يكمل لهم الدية -بعد علمه بإسلامهم- لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره. فسقط حصة جنايته من الدية.
وأما اعتصامهم بالسجود فإنه لا يُمحِّص الدلالة على قبول الدين، لأن ذلك قد يكون منهم في تعظيم السادة والرؤساء، فعُذِروا لوجود الشبه. وفيه دليل على أنه إذا كان أسيرًا ي أيديهم فأمكنه الخلاص والانفلات منهم لم يحل له المقام معهم، وإن حلَّفوه فحلف لهم أن ايخرج، كان الواجب أن يخرج، إلا أنه إن كان مكرهًا على اليمين لم تلزمه الكفارة، وإن ان غير مكره كانت عليه الكفارة عن يمينه.
وعلى الوجهين جميعًا، فعليه الاحتيال للخلاص، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه".
وقوله:"لا تَراءى ناراهما: فيه وجوه: أحدها: معناه: لا يستوي حكماهما، قاله بعض أهل العلم. وقال بعضهم: معناه: أن الله قد فرق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يُساكن الكفار في بلادهم، حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها."
وفيه دلالة على كراهة دخول المسلم دار الحرب للتجارة والمقام فيها أكثر من مدة أربعة أيام.
وفيه وجه ثالث ذكره بعض أهل اللغة، قال: معناه لا يتَّسم المسلم بسِمَة المشرك، ولا يتشبه به في هديه وشكله، والعرب تقول:"ما نار بعيرك؟"أي: ما سِمَتُه، ومن هذا قولهم:"نارها نجارها"يريدون: أن مِيسَمها يدل على كَرَمِها وعِتقها، ومنه قول الشاعر:
حتى سقوا آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأُوار
يريد: أنهم يعرفون الكرام منها بسِماتها، فيقدمونها في السقي على اللئام.