الفصل الثاني
الفضائل والآداب والأخلاق
468.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: «أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي، الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [1]
469.عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ فَإِذَا فَتًى بَرَّاقُ الثَّنَايَا، وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ، إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ، أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ، وَصَدَرُوا عَنْ رَايِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، هَجَّرْتُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ، وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، قَالَ: فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ، ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ، فقَالَ: آللَّهُ؟ قُلْتُ: آللَّهُ، فَأَخَذَ بِحَبْوَةِ رِدَائِي فَجَذَبَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ: أَبْشِرْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولَ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ» ابن حبان [2]
(1) تهذيب صحيح مسلم- علي بن نايف الشحود (ص: 915) (2566) [ش (بجلالي) أي بعظمتي وطاعتي لا للدنيا]
(لِجَلَالِي) ،أَيْ لِعَظَمَتِي، أَيْ لِأَجْلِ تَعْظِيمِ حَقِّي وَطَاعَتِي، لَا لِغَرَضِ دُنْيَا، فَخَصَّ الْجَلَالَ بِالذِّكْرِ لِدِلَالَتِهِ عَلَى الْهَيْبَةِ وَالسَّطْوَةِ، أَيِ الْمُنَزَّهُونَ عَنْ شَوَائِبِ الْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ فِي الْمَحَبَّةِ، فَلَا تَحَابُّونَ إِلَّا لِأَجْلِي وَلِوَجْهِي، لَا لِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، قِيلَ: التَّحَابُّ لِلْجَلَالِ أَنْ لَا يَزِيدَ الْحُبُّ بِالْبِرِّ، وَلَا يَنْقُصَ بِالْجَفَاءِ، (الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي) قَالَ عِيَاضٌ: هِيَ إِضَافَةُ خَلْقٍ وَتَشْرِيفٍ لِأَنَّ الظِّلَالَ كُلَّهَا خَلْقُ اللَّهِ، وَجَاءَ مُفَسَّرًا فِي ظِلِّ عَرْشِي فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُظِلُّهُمْ حَقِيقَةً مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ، وَوَهَجِ الْمَوْقِفِ، وَأَنْفَاسِ الْخَلَائِقِ، وَهُوَ تَاوِيلُ الْأَكْثَرِ. وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: كِنَايَةٌ عَنْ كَنِّهِمْ مِنَ الْمَكَارِهِ، وَجَعْلِهِمْ فِي كَنَفِهِ وَسَتْرِهِ، وَمِنْهُ: السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا ظِلُّ الْعَرْشِ يَسْتَظِلُّ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ أَجْمَعُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ تِلْكَ الظِّلَالُ لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْأَعْمَالِ، وَكَانَتِ الْأَعْمَالُ تَخْتَلِفُ، حَصَلَ لِكُلِّ عَامِلٍ ظِلٌّ يَخُصُّهُ مِنْ ظِلِّ الْعَرْشِ بِحَسَبِ عَمَلِهِ، وَسَائِرُ الْمُؤْمِنِينَ شُرَكَاءُ فِي ظِلِّهِ، وَهَذَا كُلُّه عَلَى أَنَّ الِاسْتِظْلَالَ حَقِيقِيٌّ"شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 541) "
(2) إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (6/(5426) والمسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة (5/ 417) وتهذيب صحيح ابن حبان (1 - 3) علي بن نايف الشحود (1/(575) (صحيح)
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ اسْمُهُ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، كَانَ سَيِّدَ قُرَّاءِ أَهْلِ الشَّامِ فِي زَمَانِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَنْكَرَ عَلَى مُعَاوِيَة
حقت: وجبت. والمحبة: إرادة ما تراه، أو تظنه خيرًا، أو: تعظيم في القلب يمنع الانقياد لغير محبوبه. وقد عرفها القوم وأهل التحقيق وعبَّروا عنها بعبارات كثيرة كل واحد نطق بحسب ذوقه، وانفسح بمقدار شوقه، وهي من الأمور الوجدانية الذوقية؛ التي إنما تعلم بآثارها، وعلاماتها، فكل من أدرك بعض علاماتها عبَّر بحسب ما أدركه، وهي وراء ذلك كله.
والمتحابون: تقدَّم الكلام عليه، والمتواصلون: جمع متواصل، وهو من كان بينك وبينه مواصلة، ووصلة، والوصل: ضد الهجران، يقال: وصلت الشيء بغيره، وصلًا، فاتصل به، ووصلته، وصلًا، وصلة: ضد هجرته. والمتناصحون: جمع متناصح، يقال: انتصح فلان: قَبِل النصيحة، وانتصحني فإني لك ناصح، وتنصح تشبه بالتنصح واستنصحه: عدَّه نصيحًا. والنصيحة: كلمة يُعبر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها، وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال: نصحته، ونصحت له. والمتزاورون: جمع متزاور. وتزوار القوم: زار بعضهم بعضًا. واستزاره: سأله أن يزوره. والمتباذلون: جمع متباذل، بذل الشيء: أعطاه، وجاد به عن طيب نفس، أي: الذين يجود أحدهم بمال، أو غيره لأخيه في الله، والآخر كذلك. وقوله:"يغبطهم"تقدم الكلام عليه. وقوله:"النبيون، والصديقون، والشهداء"قد ذكر قريبًا، فارجع إليه، فلا حاجة إلى الإعادة، والله أعلم. الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 125)