1692. عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ: عَنْ رَجُلٍ سَلَّفَ فِي سَبَائِبَ، فَأَرَادَ بَيْعَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تِلْكَ الْوَرِقُ، بِالْوَرِقِ. وَكَرِهَ ذلِكَ. مالك [1]
1693. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا» أبو داود [2]
(1) موطأ مالك ت الأعظمي (4/ 952) (2430 صحيح مقطوع
سبائب: جمع سبيبة، وهي شُقة كِتان رقيقة. الزرقاني 3: 390
القاسم بن محمد هو أحد فقهاء المدينة السبعة، وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، وسليمان بن يسار الهلالي، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. قال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أعلم بالسنة من القاسم. مات رحمه الله سنة 106 هـ.
(2) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 781) 3461 - (شاذ)
قال الخطابي في"معالم السنن": لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث أو صحح البيع بأوكس الثمنين إلا شيء يُحكى عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد، وذلك لما تتضمنه هذا العقد من الغرر والجهالة، وإنما المشهور من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعتين في بيعة.
وقال الحافظ المنذري في"مختصر السنن"5/ 98: في إسناده محمد بن عمرو ابن علقمة، وقد تكلم فيه غير واحد، والمشهور عن محمد بن عمرو من رواية الدراوردي ومحمد بن عبد الله الأنصاري أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعتين في بيعة.
وقال صاحب"عون المعبود"تعليقًا على قول الحافظ المنذري: قلت: وكذا رواه إسماعيل بن جعفر ومعاذ بن معاذ وعبد الوهاب بن عطاء عن محمد بن عمرو المذكور، ذكره البيهقي في"السنن"وعبدة بن سليمان في الترمذي ويحيى بن سعيد في"المجتبى"، وبهذا يُعرف أن رواية يحيى بن زكريا فيها شذوذ كما لا يخفى.
وقال المباركفوري بعدما ذكر هذه الرواية بهذا اللفظ: روي هذا الحديث عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم، ليس في واحد منها هذا اللفظ، فالظاهر أن هذه الرواية"بهذا اللفظ ليست صالحة للاحتجاج."
وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية في"فتاواه"29/ 499 - 500 الإجماع على جواز بيع الاجل وهو التقسيط، فقد سئل عن رجل محتاج إلى تاجر عنده قماش، فقال: أعطنى هذه القطعة، فقال التاجر: مشتراها بثلاثين، وما أبيعها إلا بخمسين إلى أجل، فهل يجوز ذلك؟ أم لا؟ فأجاب: المشتري على ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون مقصوده السلعة ينتفع بها للأكل والشرب واللبس والركوب، وغير ذلك.
والثاني: أن يكون مقصوده التجارة فيها، فهذان نوعان جائزان بالكتاب والسنة والإجماع، كما قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275] ، وقال تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29] ، لكن لا بد من مراعاة الشروط الشرعية، فإذا كان المشتري مضطرًا لم يجز أن يباع إلا بقيمة المثل، مثل أن يضطر الإنسان إلى مشترى طعام لا يجده إلا عند شخص، فعليه أن يبيعه إياه بالقيمة، قيمة المثل، وإن لم يبعه إلا بأكثر فللمشتري أن يأخذه بغير اختياره بقيمة المثل، وإذا أعطاه إياه لم يجب عليه إلا قيمة المثل، وإذا باعه إياه بالقيمة إلى ذلك الأجل، فإن الأجل يأخذ قسطًا من الثمن.
النوع الثالث: أن يكون المشتري إنما يريد به دراهم مثلًا ليوفي به دينًا، واشترى بها شيئًا، فيتفقان على أن يعطيه مثلًا المئة بمئة وعشرين إلى أجل، فهذا كله منهي عنه. فإن اتفقا على أن يعيد السلعة إليه، فهو بيعتين في بيعة، وإن أدخلا ثالثًا يشتري منه السلعة، ثم تعاد إليه، فكذلك، وإن باعه وأقرضه فكذلك، وقد نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وإن كان المشتري يأخذ السلعة فيبيعها في موضع آخر: يشتريها بمئة، ويبعها بسبعين لأجل الحاجة إلى دراهم، فهذه تسمى:"مسألة التورق"وفيها نزاع بين العلماء والأقوى أيضًا أنه منهي عنها، وأنها أصل الربا، كما قال ذلك عمر بن عبد العزيز وغيره، والله أعلم.
وقال ابن عبد البر في"الاستذكار"20/ 178 (29709) ولا يجوز عند مالك والشافعي وأبي حنيفة إن افترقا على ذلك بالالتزام حتى يفترقا على وجه واحد. قال: وهو قول الثوري.
قلنا: وهذا يعني أنهم أجازوا بيع الأجل أعني بيع التقسيط.
قال الخطابي: وتفسير ما نهي عنه من بيعتين في بيعة على وجهين:
إحداهما: أن يقول: بعتك هذا الثوب نقدًا بعشرة ونسيئة بخمسة عشر، فهذا لا يجوز، لانه لا يُدري أيهما الثمن الذي يختاره منهُما، فيقع به العقد، وإذا جهل الثمن بطل البيع. والوجه الآخر: أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرين دينارًا على أن تبيعني جاريتك بعشرة دنانير، فهذا أيضًا فاسد، لأنه جعل ثمن العبد عشرين دينارًا، وشرط عليه أن يبيعه جاريته بعشرة دنانير، وذلك لا يلزمه، وإذا لم يلزمه سقط بعض الثمن، وإذا سقط بعض الثمن صار الباقي مجهولًا.
وهذه النقول المتضافرة تفيد مشروعية بيع الأجل أو التقسيط بالإجماع، ولا نعلم أحدًا قال بتحريمه قبل الشيخ ناصر الدين الألباني في"صحيحته" (2326) وبعض من يقلده، وقد ردَّ عليه ردًّا مفصلًا محكمًا الأستاذ الفاضل أبو الزبير دحان أبو سلمان في رسالة قيمة تنبئ عن رسوخ قدمه في الحديث والفقه زادت صفحاتها على المئة سماها:"الوهم والتخليط عند الشيخ الألباني في البيع بالتقسيط"، فانظرها لزامًا واقرأها بإمعان، فإنه سيتبين لك أن الشيخ رحمه الله ينفرد في بعض فتاويه ويخرق بها إجماع العلماء، وهذا شأن من يتكلم في غير فنه.