فهرس الكتاب

الصفحة 1833 من 2832

اللَّهَ يَبُثُّ فِي لَيْلِهِ مِنْ خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ. وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا أُجِيفَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَغَطُّوا الْجِرَارَ وَاكْفَئُوا الْآنِيَةَ وَأَوْكُوا الْقُرَبَ» ابن خزيمة [1]

(1) صحيح ابن خزيمة (4/ 148) (2559) ومسند أبي يعلى الموصلي (4/ 211) (2327) صحيح

* وقوله: (فكفوا صبيانكم) يعني: أول الليل بعد صلاة العشاء، فإن الجن إذا صليت العشاء وانكفأ المصلون إلى منازلهم؛ فكأنهم رأوا أن الطريق قد أخليت لهم في ميقات يشبه بطواف الذين لم يبلغوا الحلم وما ملكت اليمين في العورات الثلاث، فكأنهم ما دامت الصلوات الانتشار فيها يمتنعون من أجل وقت الصلاة، فإذا انقضت استخلوا الطرق فيسعوا فيها.

* والجن منقسمون إلى: مؤمن مأمون على من يلقاه، ومن لا يؤمن منهم لا يؤمن لكفره، ولا يؤمن على الأطفال والصبيان، لأن الصبي غير كامل العقل الذي لا يهوله التهويل، وليس عنده من أسماء الله عز وجل ما يتحصن به من كيد الشيطان غالبا، فأمر بكف الصبيان لذلك.

* وقوله: (إذا مضت ساعة من العشاء) فخلوهم لا أراه أشار بذلك إلا إلى الجن، والمعنى خلوهم والطرق.

* وأما قوله: (وأغلق بابك واذكر اسم الله) فإن ذلك ليأمن الإنسان من يؤذي.

* وقوله: (فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا) فلعله مما قد شرطه عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة لقيهم، على أنهم إنما يسلطون على كل سيء التدبير لتفريط في أمر، والمفرط لا يغلق بابه، ولا يخمر إناءه، ولا يؤكئ سقاءه، فيرونه بإهماله نفسه كالمبيح لهم التطريق إلى ما أهمله من أمره. فأما المحتاط باعتماد الصواب في أموره، فإنه بمقتضى ما يكون قد شرطه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا طريق لهم عليه.

* وقوله: (أطفئ مصباحك) فقد تقدم ذكر المراد منه في مسند ابن عمر رضي الله عنه.

* وأما قوله: (وأوك سقاءك) فإنه إذا نزل السقاء مكشوفا لم يأمن من أن يلج فيه بعض ذوات السموم.

* وأما تغطية الإناء فقد ذكرنا فيما سبق أنه ينبغي أن يحترس فيه حتى من الذر فإن في الذر داء.

* فأما ذكر اسم الله على هذه الأشياء كلها، فإن ذكر اسم الله بركة؛ وليكون كل فعل للعبد يقصد به ربه عز وجل، وامتثال أمره، فيذكر اسم الله على كل شيء من ذلك فتصح له النية فيه؛ ولأن الشياطين يرجمون بشهب ذكر الله عز وجل، فإذا أحسوا بشيء قد ذكر اسم الله عليه لم يقربوه.

* وفي هذا الحديث ما يدل على أنه ليس لأحد أن يقول: إنني أترك بابي غير مغلق مدعيا أنه يفعل ذلك متوكلا؛ فإن ذلك مطية ولوج الشيطان إلى داره وإلى قلبه، وكذلك في الأسقية والأواني وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقوم الأمور على قوانين انتهت إليها، فالتوكل إنما هو لمعالم حكمة الله عز وجل، فإذا أراد العبد أن يهدم معلما من معالم الله عز وجل بما توسوس له نفسه فيما يدعيه توكلا، لم يكن توكله ثمنا لما هدمه من الأمر المسبب في العالم.

* وقوله: (ولو أن تعرض عليه عودا) وهذا يجوز أن يكون لأن الذر يتجافى مثل ذلك، أو لأنه قد يصون ذلك العود ما يواريه من الإناء، فيكون هذا القول من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معنى إن استطعت أن تحفظ الكل بالتخمير وإلا فلا أقل أن تحفظ بعضه على وجه المبالغة والتأكيد.

* وقوله: (لا ترسلوا فواشيكم) الفواشي: كل منتشر من المال كالإبل، والبقر، والغنم السائمة، وأصل ذلك من قولك: فشا الشيء إذا ظهر. * (وفحمة العشاء) (بكسر الحاء وسكونها) : شدة سواد الليل وظلمته.

* وأما قول الليث: إن الأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول؛ فإنه يريد بذلك أن أرض الأعاجم شديدة البرد والوباء يكون في ذلك، ويجوز أن يكسب كل إناء لم يخمر تلك الليلة حالا وبية لمن يأكل ما في ذلك الإناء، فقد حذر الأطباء من قريس تبيت في سرادب أو سمك يصطنع بالخل ويترك في سرداب ليلة فإنه يعود كالسم، وليس ذلك إلا لاجتماع البرودات فيه، وكذلك حذروا من البزماورد إذا بات. ويجوز أن يكون بشدة حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تخمير الآنية لم يعين هذه الليلة ليكون الحذر من كشف الآنية كل ليلة يجوز أن تكون تلك الليلة. الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 251)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت