708.عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، وَقَدْ كَانَ أَدْرَكَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ» أَبُو دَاوُدَ [1] .
709.عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «أَعْلَمْتَهُ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «أَعْلِمْهُ» قَالَ: فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [2] ."
710.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَا: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» الآداب للبيهقي [3] .
(1) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 1179) 5124 - صحيح)
قال الخطابي: فيه الحث على التودد والتآلف، وذلك أنه إذا أخبره بأنه يحبه، استمال بذلك قلبه، واجتلب به وده.
وفيه أنه إذا علم أنه محب له ووادُّ، قبِل نصحه، ولم يردّ عليه قوله في عيب إن أخبره به عن نفسه، أو سقطة إن كانت منه، فإذا لم يعلم ذلك منه، لم يؤمن أن يسوء ظنه فيه، فلا يقبل قوله، ويحمل ذلك منه على العداوة والشنآن، والله أعلم.
(2) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 1179) 5125 - (صحيح لغيره)
(3) أمثال الحديث لأبي الشيخ الأصبهاني (ص: 90) (53 و 54) والآداب للبيهقي (ص: 336) (833) والإيماء إلى زوائد الأمالي والأجزاء (2/ 434) (1671 و 4457 و 4458) والجامع لابن وهب ت مصطفى أبو الخير (ص: 548) (443) والمسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة (18/ 77) صحيح
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الْعَارِفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» مِنْ أَوْصَافِ النَّاسِ، وَأَقْوَالِهِمْ، فَلَا يَكَادُ يَذْكُرُهُمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى عُيُوبِهِمْ، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِمْ فِي أَخْلَاقِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي يُطَالِبُهُمْ بِصِدْقِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ، وَصِحَّةِ أَعْمَالِهِمْ، وَيُقِيمُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ، وَيُشْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَيَنْصَحُ لَهُمْ، وَيَقْبَلُ مِنْهُمْ ظَوَاهِرَهُمْ، وَيُوَكِّلُ سَرَايِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يَعْنِيهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ، فَهُوَ الْمُسْلِمُ، وَالْإِسْلَامُ لَهُ صِفَةٌ، وَالْحُسْنُ لِإِسْلَامِهِ صِفَةٌ، فَهُوَ لَمَّا حَسُنَ إِسْلَامُهُ فِي إِسْلَامِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى اللَّهِ تَرَكَ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنَ الْبَحْثِ عَنْ سَرَائِرِهِمْ، وَمُطَالَبَةِ الصِّدْقِ إِذَا صَلُحَتْ ظَوَاهِرُهُمْ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ مُخْتَلَفِ أَحْوَالِهِمْ إِلَّا فِيمَا يَلْزَمُهُ فَرَضُ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ فِي رِقَّةٍ بِهِمْ، وَشَفَقَةٍ عَلَيْهِمْ، وَإِرَادَةِ الصَّلَاحِ لَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ حُسْنَ تَسْلِيمِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [التوبة: 111] الْآيَةَ، فَقَدِ اشْتَرَى اللَّهُ مِنْهُمْ نُفُوسَهُمْ، فَعَلَيْهِمْ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ، وَقَدْ بَاعَ الْبَائِعُ الشَيْءَ، وَيَلْتَوِي فِي تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، حَتَّى يَنْتَزِعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِحَقِّ الْبَايِعِ، فَأَمَّا مَنْ حَسُنَ تَسْلِيمُهُ سَلَّمَ الْمَبِيعَ أَوْفَرَ مَا كَانَ، وَأَتَمَّهُ فِي سَعَةٍ مِنْ صَدْرِهِ، وَطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ، خَاصَّةً إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ مِنَ الثَّمَنِ أَضْعَافَ أَضْعَافَ الْقِيمَةِ، فَمَتَى حَسُنَ إِسْلَامُ الْمَرْءِ حَسُنَ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , غَيْرَ مُلْتَوٍ وَلَا مُتَرَبِّصٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: {أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة: 132] ، وَمِنْ حُسْنِ تَسْلِيمِهِ أَنْ لَا يَعْتَرِضَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَحْكَامِهِ عَلَيْهِ، وَقَضَايَاهُ فِيمَا شَاءَ، وَسَرَيَانُ الِاعْتِرَاضِ مِنْهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي تَسَخُّطِ قَضَائِهِ، وَالتَّأَتِّي لِمَعْقُولِ أَحْكَامِهِ هُوَ الَّذِي لَا يَعْنِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي إِذَا أَحْدَثَ فِيمَا اشْتَرَاهُ مِنْ هَدْمِ بِنَاءٍ فِيهِ، أَوْ تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ نَقْضٍ فِيهِ، أَوْ إِبْرَامٍ، فَاعْتَرَضَ الْبَائِعُ فِيهِ مِمَّا لَا يَعْنِيهِ مِنْ قَوْلِهِ لِمَ فَعَلْتَ، وَأَلَا صَنَعْتَ كَذَا، وَلَوْ فَعَلْتَ كَذَا، وَلَيْتَكَ صَنَعْتَ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْنِيهِ , فَحَصُلَ مَعْنَى قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ، عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ الرِّضَا بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّلَقِّي بِالْبِشْرِ، وَالسُّرُورِ، ثُمَّ الْقَضَاءُ، وَالصَّبْرُ تَحْتَ أَثْقَالِ مَا يَكْرَهُهُ، وَالِاسْتِسْلَامُ، وَالِانْقِيَادُ بِذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ لِلْمَلِكِ الْقَهَّارِ، فِيمَا يُجْرِيهِ مِنْ أَحْكَامِهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنْ أَرْضِهِ، وَسَمَائِهِ، وَفِي نَفْسِ الْعَبْدِ مِمَّا يَؤْلِمُهُ وَيَلَذُّهُ، أَوْ يَسُرُّهُ، وَيُحْزِنُهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَايْمُ اللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا الْفِنَاءُ، وَالْفَقْرُ، وَمَا أُبَالِي بِأَيِّهِمَا ابْتُلِيتُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: ابْتُدِيتُ , فَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا يَعْتَرِضَ عَلَى اللَّهِ، وَلَا يَخْتَارَ تَسْلِيمًا لِنَفْسِهِ إِلَيْهِ، وَتَفْوِيضًا لِأَمْرِهِ إِلَيْهِ، كَمَا نَدَبَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَيْهِ فِيمَا".بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذي (ص: 141) "