5.عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَام، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ، فَلَا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ، كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ» ، قَالَ: «فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا، أَوْ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [1]
6.عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» الترمذي [2]
(1) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 811) 3582 - (حسن)
قال الخطابي: فيه دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب، وذلك لأنه إذا منعه أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران حتى يسمع كلام الآخر، فقد دلَّ على أنه في الغائب الذي لم يحضره، ولم يسمع قوله أولى بالمنع، وذلك لامكان أن يكون معه حجة تُبْطِلُ دعوى الحاضر.
وممن ذهب إلى أنَّ الحاكم لا يقضي على غائبٍ: شريح وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة وابن أبي ليلى.
وقال مالك والشافعي: يجوز القضاءُ على الغائب إذا تبين للحاكمِ أن فراره واستخفاءَه إنما هو فرارًا من الحق ومعاندة للخصم. واحتج لهذه الطائفة بعضهم بخبر هند، وقوله عليه السلام لها:"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، وقال: إذا كان الخصم حاضرًا زمانه لا يحكم على أحدهما قبل أن يسمع من صاحبه لجواز أن يكون مع خصمه حجة يدفع بها بينته، فإذا كان الخصم غائبًا لم يجُز أن يُترك استماع قول خصمه الحاضر. إلا أنه يكتب في القضية: أن الغائب على حقه إذا حضر وأقام بينته أو جاء بحجته، وهو إذا فعل ذلك فقد استعمل معنى الخبر في استماع قول الخصم الآخر، كاستماعه قول الأول. ولو ترك الحكم على الغائب، لكان ذلك ذريعةً إلى إبطال الحقوق."
(2) سنن الترمذي ت شاكر (3/ 627) (1352) صحيح لغيره
ما يؤخذ من الحديث:
1 -جمع هذا الحديث الشريف بين أنواع الصلح والشروط، صحيحها وفاسدها، بهاتين الجملتين الجامعتين.
2 -الأصل في الصلح أنَّه جائز نافذ؛ لأنَّ الله قد مدحه في كتابه فقال: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] ؛ ولأنه طريق سليم إلى المصالحة بين المتخاصمين.
3 -يستثنى منه الصلح إذ حرَّم ما أحل الله تعالى، أو أحل ما حرَّمه، فإنَّ هذا مصادم لشرع الله ومنافٍ لأمره، فهو غير جائزٍ، ولا نافذٍ.
4 -يدخل في الصلح الجائز الصلح في الدماء، والأنكحة، والأموال، وغير ذلك من المعاملات التي تجري بين الناس، ويحصل فيها الاختلاف والتنازع، فالصلح هو سبيل حسمها.
5 -من ذلك الصلح على إنكار، بأن يدَّعي عليه حقًّا من دين، أو عين، فينكر المدعى عليه ثم يتَّفق مع المدعي على المصالحة، فيقنع المدعي بما يُعطى مقابل دعواه، فيحصل الصلح على ذلك.
6 -ومن ذلك الحقوق المجهولة، كان يكون بين متعاملين معاملة طويلة، جَهِلا ما على أحدهما للآخر، أو جَهِلا ما بينهما من الحقوق، فاصطلحا فيما بينهما على حسم الخلاف بينهما، وتمام ذلك أن يسامح كل منهما صاحبه بعد الصلح.
7 -ومن ذلك الصلح بين الزوجين المتخاصمين في حقوق الزوجية، من نفقةٍ، أو كسوة، أو مسكنٍ، أو عشرةٍ، ويدخل بينهما من يحسن الصلح، وينهي النزاع بينهما ويحسمه، كما قال تعالي: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] .
8 -ومن ذلك الصلح عن القصاص في النفوس، أو الأطراف، أو منافع الأعضاء، حينما يتفقان عليه بمعاوضة بقدر الدية، أو أكثر، أو أقل، فالصلح جائزٌ ونافذٌ، قال تعالي: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178] .
9 -فإن تضمن الصلح تحريم حلال، أو تحليل حرام، فهو فاسد بنص هذا الحديث، أو عُقِد الصلح على ظلم أحد الطرفين فهو حرام، لقوله تعالي: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) } [الحجرات] .
10 -ومن الصلح المحرم الإكراه عليه، وذلك مثل أنْ يضيق على زوجته، ويعضلها ظلمًا؛ لتفتدي نفسها منه، فتعيد إليه ما دفعه من صَداقٍ، أو بعض ذلك الصداق، الذي استحل به الاستمتاع بها، فهذا ظلم وجَور، قال تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19] ثم قال تعالي: {وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) } [النساء] .
أما إذا كانت ظالمة كأن تقصر بحقوق الله من ترك الصلاة، أو الصيام، أو غير ذلك من شعائر الله، أو ارتاب منها ريبة تحفُّ بها القرائن القوية، أو كانت سيئة الخلق والعشرة معه، تمنعه أو تمطُله بحقوقه عليها، فلا مانع أن يعضلها لتفتدي منه، قال تعالى: {إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: 19] .
قال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل، فلا بأس أن يضارها حتى تفتدي منه.
وقال بعض المفسرين: الفاحشة البذاءة باللسان.
قلتُ: وهو عام لهذا كله، ولغيره من سوء حال المرأة مع ربها، أو مع زوجها.
12 -وأما الشروط: فأخبر -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث: أنَّ المسلمين على شروطهم، إلاَّ شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا.
وهذا أصلٌ كبيرٌ من أصول المعاملات، والمعاهدات، والعقود، فإنَّ الشروط هي التي يشترطها أحد المتعاقدين على الآخر، مما له فيه حظٌّ ومصلحةٌ، فذلك جائزٌ ولازم، إذا اتَّفقَا عليه.
13 -من ذلك أن يشترط المشتري في المبيع وصفًا مقصودًا، كشرط البقرة لبونًا، أو الجارح صيودًا، أو الدابة هِمْلاَجَةً (أي حسنة السير في سرعة) ، ممَّا فيه وصفٌ مقصود، فهو شرطٌ معتبرٌ لازمٌ نافذٌ.
14 -ومن ذلك أن يشترط المشتري أنَّ الثمن أو بعضه مؤجل بأجل مسمى، أو يشترط البائع نفعًا معلومًا في الثمن، كسكنى الدار المباعة سنةً ونحوه، أو شرط أن يستعمل السيارة المباعة مدةً معلومةً لعملٍ معلومٍ، فكلها شروطٌ جائزةٌ.
15 -ومن ذلك شروط مؤسسي الشركات والمشاريع، شروطًا معلومةً عادلةً، ليس فيها جهالةٌ، ولا ظلمٌ، ولا مخاطرةٌ، فهي لازمة.
16 -ومن ذلك شروط الواقفين والموصِين في أوقافهم ووصاياهم، من الشروط المعلومة المقصودة، التي لهم فيها نفع، فكلها شروط صحيحة لازمة.
17 -ومن ذلك شروط الزوجة على زوجها سكنى دارها، أو بلدها، أو نفقةً معينةً لها، أو شرطت عليه أولادها من غيره.
فقد جاء في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال:"إنَّ أحق الشروط أن يوفى به ما استحلَّت به الفروج".
18 -أما الشروط المحرَّمة، كأن تشترط المرأة طلاق ضرتها فهو محرَّم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-:"لا تسأل المرأة طلاق أختها؛ لتكفأ ما في إنائها" [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] .توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 504)