234.عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، فَقَالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ، بِالْمَعْرُوفِ» البخاري [1]
235.عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ هِنْدَ أُمَّ مُعَاوِيَةَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ فِي ذَلِكَ؟، قَالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَبَنِيكِ بِالْمَعْرُوفِ» ، وَقَالَ مُحَاضِرٌ: وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي وَوَلَدِي فَآخُذُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَلِمِهِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا أسْتَنْفِقُ مِنْهُ أَنَا وَوَلَدِي؟، قَالَ: «لَا خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» أبو عوانة [2]
236.عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «وَلَدُ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِهِ، فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ» أبو داود [3] .
237.عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا، وَإِنَّ وَالِدِي يَحْتَاجُ مَالِي؟ قَالَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ، إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ» . رَوَاهُ أَو دَاوُدَ [4] .
238.عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،يُخَاصِمُ أَبَاهُ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ، فقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ابن حبان [5]
(1) صحيح البخاري (7/ 66) (5364)
(2) مستخرج أبي عوانة (4/ 164) (6382) صحيح
(3) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 798) 3529 - (صحيح لغيره)
(4) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 798) 3530 - (صحيح لغيره)
قال الخطابي: قوله:"يجتاح مالي"معناه: يستأصله ويأتي عليه، والعرب تقول: جاحهم الزمان، واجتاحهم، إذا أتى على أموالهم، ومنه الجائحة، وهي الأفة التي تصيب المال فتهلكله.
ويشبه أن يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده مالَه، إنما هو بسبب النفقة عليه، وأن مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير، لا يسعه عفوُ مالِه والفَضلُ منه، إلا بأن يجتاح أصلَه، ويأتي عليه، فلم يعذره النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يرخص له في ترك النفقة عليه، وقال له:"أنت ومالُك لأبيك"على معنى: أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة، كما يأخذ من مال نفسه، وإذا لم يكن لك مال وكان لك كسْب لزمك أن تكتسب وتنفق عليه، فأما أن يكون أراد به إباحةَ ماله وخلاه واعتراضه حتى يجتاحه ويأتي عليه، لا على هذا الوجه، فلا أعلم أحدًا ذهب إليه من الفقهاء، والله أعلم.
(5) تهذيب صحيح ابن حبان (1 - 3) علي بن نايف الشحود (1/ 143) 410 - (صحيح)
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم -،زَجَرَ عَنْ مُعَامَلَتِهِ أَبَاهُ بِمَا يُعَامِلُ بِهِ الْأَجْنَبِيِّينَ، وَأَمَرِ بِبِرِّهِ وَالرِّفْقِ بِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَعًا، إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ مَالُهُ، فقَالَ لَهُ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ،لَا أَنَّ مَالَ الِابْنِ يَمْلِكُهُ الْأَبُ فِي حَيَاتِهِ عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنَ الِابْنِ بِهِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَا كَسَبَهُ الِابْنُ مِنْ مَالٍ فَهُوَ لِأَبِيهِ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآثَارِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: مَا كَسَبَ الِابْنُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً دُونَ أَبِيهِ. وَقَالُوا قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - هَذَا لَيْسَ عَلَى التَّمْلِيكِ مِنْهُ لِلْأَبِ كَسْبُ الِابْنِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلِابْنِ أَنْ يُخَالِفَ الْأَبَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْ تَجْعَلَ أَمْرَهُ فِيهِ نَافِذًا كَأَمْرِهِ فِيمَا يَمْلِكُ. أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فَلَمْ يَكُنِ الِابْنُ مَمْلُوكًا لِأَبِيهِ بِإِضَافَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِيَّاهُ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِمَالِهِ بِإِضَافَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَيْهِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ» (صحيح) . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّمَا أَنَا وَمَالِي لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَلَمْ يُرِدْ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ أَنَّ مَالَهُ مِلْكٌ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - دُونَهُ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ أَمْرَهُ يَنْفُذُ فِيهِ وَفِي نَفْسِهِ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فَهُوَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَرُمَ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ كَمَا حَرُمَ دِمَاؤُهُمْ وَلَمْ يُسْتَثْنَ فِي ذَلِكَ وَالِدًا وَلَا غَيْرَهُ.
وعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَطَبَهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» (صحيح)
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حُرْمَةَ الْأَمْوَالِ كَحُرْمَةِ الْأَبْدَانِ. فَكَمَا لَا يَحِلُّ أَبْدَانُ الْأَبْنَاءِ لِلْآبَاءِ إِلَّا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ فَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: نُرِيدُ أَنْ يُوجَدَ مَا ذَكَرْتُ فِي الْأَبِ مَنْصُوصًا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. قُلْتُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِرَجُلٍ: «أُمِرْتُ بِيَوْمِ الْأَضْحَى عِيدٍ جَعَلَهُ اللهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ» . فَقَالَ الرَّجُلُ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا مَنِيحَةَ ابْنِي أَفَأُضَحِّي بِهَا. قَالَ: «لَا وَلَكِنَّكَ تَاخُذُ مِنْ شَعْرِكَ وَأَظْفَارِكَ وَتَقُصُّ شَارِبَكَ وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ فَذَلِكَ تَمَامُ أُضْحِيَّتِكَ عِنْدَ اللهِ» (حسن)
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمَّا قَالَ هَذَا الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُضَحِّي بِمَنِيحَةِ ابْنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «لَا» . وَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُضَحِّيَ مِنْ مَالِهِ وَحَضَّهُ عَلَيْهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَالِ ابْنِهِ خِلَافُ مَالِهِ. مَعَ أَنَّ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا حَمْلُ هَذِهِ الْآثَارِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] ثُمَّ قَالَ {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 11] . فَوَرَّثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرَ الْوَلَدِ مَعَ الْوَالِدِ مِنْ مَالِ الِابْنِ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ لِلْأَبِ فِي حَيَاةِ الِابْنِ ثُمَّ يَصِيرُ بَعْضُهُ لِغَيْرِ الْأَبِ. قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] فَجَعَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَوَارِيثَ لِلْوَالِدِ وَغَيْرِهِ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنٍ إِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ وَبَعْدَ إِنْفَاذِ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْأَبَ لَا يَقْضِي مِنْ مَالِهِ دَيْنَ ابْنِهِ وَلَا يُنَفِّذُ وَصَايَا أَبِيهِ مِنْ مَالِهِ فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الِابْنَ إِذَا مَلَكَ مَمْلُوكَةً حَلَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَهِيَ مِمَّنْ أَبَاحَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ وَطْأَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6] فَلَوْ كَانَ مَالُهُ لِأَبِيهِ إِذًا لَحُرُمَ عَلَيْهِ وَطْءُ مَا كَسَبَ مِنَ الْجَوَارِي كَحُرْمَةِ وَطْءِ جِوَارِي أَبِيهِ عَلَيْهِ. فَدَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى انْتِفَاءِ مِلْكِ الْأَبِ لِمَالِ الِابْنِ وَأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ فِيهِ ثَابِتٌ دُونَ أَبِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ"شرح معاني الآثار (4/ 158) "