الكتاب الثاني
القضاء
2129. عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ» متفق عليه [1] .
2130. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ، فَاجْتَهَدَ، فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» ابن حبان [2]
(1) إرشاد الحيران فيما اتفق عليه الشيخان مع الشرح (ص: 2056) 1251. (1716) أخرجه البخاري في: 96 كتاب الاعتصام: 21 باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ [ش (إذا حكم الحاكم فاجتهد) قال العلماء أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم فإن أصاب فله أجران أجر باجتهاده وأجر بإصابته وإن أخطأ فله أجر اجتهاده وفي الحديث محذوف تقديره إذا أراد الحاكم فاجتهد قالوا فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم فإن حكم فلا أجر له بل هو إثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك]
(2) تهذيبُ الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث للبيهقي (ص: 149) (276) والسنن (المعروف بالسنن الكبرى) للنسائي (8/ 138) (6097 - 6100) وتهذيب صحيح ابن حبان (1 - 3) علي بن نايف الشحود (2/ 390) 5060 و 5061) صحيح
قَالَ الإِمَامُ: الاجْتِهَادُ هُوَ رَدُّ الْقَضِيَّةِ إِلَى مَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ، فَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْحَادِثَةُ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَى الْحُكْمِ فِيهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَحْكُمُ بِالسُّنَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فِي السُّنَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَجْتَهِدُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ لَهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَايِي، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» .قَوْلُهُ: «أجْتَهِدُ رَايِي» لَمْ يُرِدْ بِهِ الرَّايَ الَّذِي يَسْنَحُ لَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، أَوْ يَخْطُرُ بِبَالِهِ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، بَلْ أَرَادَ بِهِ رَدَّ الْقَضِيَّةِ إِلَى مَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «وَإِذَا اجتَهَدَ فأَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ» لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى الْخَطَإِ، بَلْ يُؤْجَرُ فِي اجْتِهَادِهِ طَلَبَ الْحَقِّ، لأَنَّ اجْتِهَادَهُ عِبَادَةٌ، وَالإِثْمُ فِي الْخَطَإِ عَنْهُ مَوْضُوعٌ إِذَا لَمْ يَالُ جُهْدَهُ، وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ جَامِعًا لآلَةِ الاجْتِهَادِ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَحَلا لِلاجْتِهَادِ، فَهُوَ مُتَكَلِّفٌ لَا يُعْذَرُ بِالْخَطَإِ فِي الْحُكْمِ، بَلْ يُخَافُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ الْوِزْرِ، رُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ:"القُضَاةُ ثَلاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الحقَّ فَجَارَ فِي الحُكمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ".
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، إِذْ لَوْ كَانَ كلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّقْسِيمِ مَعْنًى، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ مُجْتَهِدَانِ فِي حَادِثَةٍ فَاخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمَا، أَنَّ الْحَقَّ مِنْهُمَا وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّايِ إِلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، لأَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْحَادِثَةِ إِلا الاجْتِهَادَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مَامُورٌ بِالاجْتِهَادِ لإِصَابَةِ الْحَقِّ، فَإِنْ أَصَابَهُ أُجِرَ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ عُذِرَ، كَمَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ، كُلِّفَ أَنْ يَجْتَهِدَ لِيُصِيبَ جِهَتَهَا، فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا يَقِينًا عُذِرَ.
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ تَقْلِيدُ الْغَيْرِ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ وَأَفْقَهَ حَتَّى يَجْتَهِدَ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ مُشَاوَرَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْحَوَادِثِ، وَالْبَحْثِ عَنِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ يَحْكُمُ بِمَا لاحَ لَهُ بِالدَّلِيلِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِرَسُولِهِ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمرَان: 159] ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مُشاوَرَةً لأصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -» .
وَكَانَتِ الأَئِمَّةُ يَسْتَشِيرُونَ الأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الأُمُورِ الْمُبَاحَةِ لِيَاخُذُوا بِأَسْهَلِهَا، فَإِذَا وَضَحَ الْكِتَابُ، أَوِ السُّنَّةُ، لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَتَقَلَّدَ الْقَضَاءَ، وَلا يَجُوزُ لِلإِمَامِ تَوْلِيَتُهُ.
وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ جَمَعَ خَمْسَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعِلْمِ: عِلْمَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعِلْمَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَأَقَاوِيلَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ، وَعِلْمَ اللُّغَةِ، وَعِلْمَ الْقِيَاسِ، وَهُوَ طَرِيقُ اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ عَنِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ إِذَا لَمْ يَجِدْهُ صَرِيحًا فِي نَصِّ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ.
فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ مَنْ عِلْمِ الْكِتَابِ النَّاسِخَ، وَالْمَنْسُوخَ، وَالْمُجْمَلَ، وَالْمُفَسَّرَ، وَالْخَاصَّ، وَالْعَامَ، وَالْمُحْكَمَ، وَالْمُتَشَابِهَ، وَالْكَرَاهِيَةَ، وَالتَّحْرِيمَ، وَالإِبَاحَةَ، وَالنَّدْبَ.
وَيَعْرِفَ مِنَ السُّنَّةِ هَذِهِ الأَشْيَاءَ، وَيَعْرِفَ مِنْهَا الصَّحِيحَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمُسْنَدَ، وَالْمُرْسَلَ، وَيَعْرِفَ تَرْتِيبَ السُّنَّةِ عَلَى الْكِتَابِ، وَتَرْتِيبَ الْكِتَابِ عَلَى السُّنَّةِ حَتَّى إِذَا وَجَدَ حَدِيثًا لَا يُوَافِقُ ظَاهِرُهُ الْكِتَابَ يَهْتَدِي إِلَى وَجْهِ مَحْمَلِهِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ بَيَانُ الْكِتَابِ، وَلا تُخَالِفُهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ مَعْرِفَةُ مَا وَرَدَ مِنْهَا فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ دُونَ مَا عَدَاهَا مِنَ الْقَصَصِ وَالأَخْبَارِ وَالْمَوَاعِظِ.
وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ عِلْمِ اللُّغَةِ مَا أَتَى فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فِي أُمُورِ الأَحْكَامِ دُونَ الإِحَاطَةِ بِجَمِيعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَخَرَّجَ فِيهَا بِحَيْثُ يَقِفُ عَلَى مَرَامِزِ كَلامِ الْعَرَبِ فِيمَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ مِنَ اخْتِلافِ الْمَحَالِ، وَالأَحْوَالِ، لأَنَّ الْخِطَابَ وَرَدَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ لَا يَقِفُ عَلَى مُرَادِ الشَّرْعِ.
وَيَعْرِفَ أَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الأَحْكَامِ، وَمُعْظَمَ فَتَاوَى فُقَهَاءِ الأُمَّةِ حَتَّى يَقَعَ حُكْمُهُ مُخَالِفًا لأَقْوَالِهِمْ، فَيَكُونُ فِيهِ خَرْقُ الإِجْمَاعِ، وَإِذَا عَرَفَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ مُعْظَمَهُ، فَهُوَ مُجْتَهِدٌ، وَلا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِهَا بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ نَوْعًا مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ، فَسَبِيلُهُ التَّقْلِيدُ، وَإِنْ كَانَ مُتَبَحِّرًا فِي مَذْهَبٍ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَلا يَجُوزُ لَهُ تَقَلُّدُ الْقَضَاءِ، وَلا التَّرَصُّدُ لِلْفُتْيَا، وَإِذَا جَمَعَ هَذِهِ الْعُلُومَ، وَكَانَ مُجَانِبًا لِلأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، مُدَّرِعًا بِالْوَرَعِ، مُحْتَرِزًا عَنِ الْكَبَائِرِ، غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَى الصَّغَائِرِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَتَقَلَّدَ الْقَضَاءَ، وَيَتَصَرَّفَ فِي الشَّرْعِ بِالاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَجْمَعْ هَذِهِ الشَّرَائِطَ تَقْلِيدُهُ فِيمَا يَعِنُّ لَهُ مِنَ الْحَوَادِثِ.
وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّايِ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَتَقَلَّدَ الْقَضَاءَ، ثُمَّ يَقْضِي بِمَا يُفْتِي بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ:"كَانَ قُضَاةُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - سِتَّةً: عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ."
فَكَانَ قَضَاءُ عُمَرَ، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَالأَشْعَرِيِّ يُوَافِقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَكَانَ يَاخُذُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَكَانَ قَضَاءُ عَلِيٍّ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَزَيْدٍ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَكَانَ يَاخُذُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَكَانَ زَيْدٌ يَاخُذُ مِنْ عَلِيٍّ وَأُبَيٍّ مَا بَدَا لَهُ. شرح السنة للبغوي (10/ 116)