الفصل الثاني
بناء البيوت وفرشها
1471. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي مِنَ المَطَرِ، وَيُظِلُّنِي مِنَ الشَّمْسِ، مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ» البخاري [1] .
1472. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلاَ غَرَسْتُ نَخْلَةً، مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -» قَالَ سُفْيَانُ: فَذَكَرْتُهُ لِبَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَنَى. قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ: فَلَعَلَّهُ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ"الْبُخَارِيُّ [2] "
1473. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا أُطَيِّنُ حَائِطًا لِي أَنَا وَأُمِّي، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَيْءٌ أُصْلِحُهُ، فَقَالَ: «الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ» أبو داود [3] .
1474. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: مَرَّ بِنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -،وَنَحْنُ نُصْلِحُ خُصًّا لَنَا، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» فَقُلْنَا: خُصٌّ لَنَا وَهَى، فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا أَرَى الْأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ» ابن حبان [4]
(1) صحيح البخاري (8/ 66) (6302) [ش (رأيتني) رأيت نفسي. (مع النبي) في زمنه. (يكنني) يسترني ويصونني. (ما أعانني عليه أحد) إشارة إلى أنه متواضع خفيف المؤونة لا يحتاج في بنائه إلى مساعدة]
(2) صحيح البخاري (8/ 66) (6303) [ش (ما وضعت لبنة على لبنة) أي ما بنيت]
قوله: (ما أعانني عليه أحد) . يريد لخفة مؤنته، وتأويل سفيان فيما قيل عن ابن عمر، أنه بني بعد أن قال صحيح؛ لأن العالم إذا روي عنه قولان مختلفان أو قول مخالف لفعله ينبغي حملهما على ما لا تناقض فيه؛ ألا ترى أن قريب ابن عمر لم يكذبه في قوله.
وقوله: (ولا غرست نخلة) ، ليس الغرس من ذلك في شيء؛ لأن من غرس بنية طلب الكفاف أو لفضل ما ينال منها، ففي ذلك الفضل لا الإثم. قاله الداودي.
والتطاول في البنيان من أشراط الساعة، وذلك أن يبنى ما يفضل عما يكنه من الحر والبرد، ويستره عن الناس، وقد ذم الله تعالى من فعل ذلك فقال: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) } [الشعراء: 128 - 129] يعني: قصورًا، وقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"ما أنفق ابن آدم في التراب فلن يخلف له ولا يؤجر عليه". فأما من بني ما يحتاج إليه ليكنه من الحر و (البرد) فمباح له ذلك، وكذلك فعل السلف؛ ألا ترى قول ابن عمر - رضي الله عنهما: (بنيت بيدي بيتًا يكنني من المطر .. ) إلى آخره، وقد روي مثل ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذكر الطبري، عن الحسن، عن حمران بن أبان، عن عثمان بن عفان أنه - عليه السلام - قال:"كل شيء سوى جلف هذا الطعام - (يعني: كثير الطعام) - وهذا الماء وبيت يقله وثوب يستره، فليس لابن آدم فيه حق"فأباح من البناء ما يقيه أذى الشمس والمطر اللذين لا طاقة لأحد باحتمال مكروههما، كما أباح من الغذاء ما به قوام بدنه، من مطعم أو مشرب، ومن الملبس ما يستر عورته، وما زاد على ذلك فلا حق له فيه، يعني: إذا لم يصرفه في الوجوه المقربة له إلى الله تعالى فإذا فعل ذلك فله الحق في أخذه وصرفه في حقه. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (29/ 170)
(3) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 1201) 5235 - (صحيح)
"أسرع من ذلك"أي ينبغي للعاقل أن يرى أسرع من ذلك بحيث يشتغل بالتهيؤ له ويغفل عما سواه إذًا؛ لأجل لا يدري فقد يشتغل الإنسان بشيء ثم لا ينتفع به أصلًا، وليس المراد إخباره بأن موتك قريب والله تعالى أعلم.
(4) تهذيب صحيح ابن حبان (1 - 3) علي بن نايف الشحود (2/ 18) (2997) (صحيح)
والخُصُّ: بضم الخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة: بيت يكون من قصب. وقوله:"وَهى"، بفتحتين: من وَهى الحائطُ يهي، يعني: إذا ضَعف وهمَّ بالسقوط. وقوله:"ما أرَى الأمْرَ إلاَّ أعْجَلَ من ذلك": أي: أمْر الارتحال عن الدنيا والموت.