فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"آمنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، لَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا"قَالَ عَبْدُ اللَّهِ:"قَالَ: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ"أحمد [1]
1492. عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ فَقَالَ: مَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ حِنَةٌ، وَإِنِّي مَرَرْتُ بِمَسْجِدٍ لِبَنِي حَنِيفَةَ، فَإِذَا هُمْ يُؤْمِنُونَ بِمُسَيْلِمَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ فَجِيءَ بِهِمْ فَاسْتَتَابَهُمْ، غَيْرَ ابْنِ النَّوَّاحَةِ قَالَ لَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّكَ رَسُولٌ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ» فَأَنْتَ الْيَوْمَ لَسْتَ بِرَسُولٍ"، فَأَمَرَ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ فَضَرَبَ عُنُقَهُ فِي السُّوقِ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى ابْنِ النَّوَّاحَةِ قَتِيلًا بِالسُّوقِ» أبو داود [2] "
(1) المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة (2/ 36) ومسند أحمد مخرجا (6/ 306) (3761) صحيح لغيره
فَتَأَمَّلْنَا هَذِهِ الْآثَارَ طَلَبَ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ بِمَا فِيهَا مِنْ رَفْعِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوُفُودِ أَنْ لَا تُقْتَلَ , وَإِنْ كَانَ مِنْهَا مِثْلُ الَّذِي كَانَ مِنَ ابْنِ النَّوَّاحَةِ وَصَاحِبِهِ مِمَّا يُوجِبُ قَتْلَهُمَا لَوْ لَمْ يَكُونَا رَسُولَيْنِ , فَوَجَدْنَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ} [التوبة: 6] أَيْ فَيَتَّبِعَهُ , أَيْ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُقَامُ حَيْثُ يُقِيمُ الْمُسْلِمُونَ سِوَاهُ أَوْ لَا يَتَّبِعَهُ فَيُبْلِغَهُ مَامَنَهُ , وَكَانَ فِي تَرْكِهِ اتِّبَاعَهُ بَقَاؤُهُ عَلَى كُفْرِهِ الَّذِي يُوجِبُ سَفْكَ دَمِهِ لَوْ لَمْ يَاتِهِ طَالِبًا لِاسْتِمَاعِ كَلَامِ اللهِ , فَحَرُمَ بِذَلِكَ سَفْكُ دَمِهِ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ ذَلِكَ الطَّلَبِ وَيَصِيرَ إِلَى مَامَنِهِ , فَيَحِلَّ بَعْدَ ذَلِكَ سَفْكَ دَمِهِ , فَكَانَ مِثْلَ ذَلِكَ الرُّسُلِ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ مَنْ أَرْسَلَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابَهُ لَهُمْ فِيمَا أَرْسَلُوهُمْ فِيهِ إِلَيْهِ مِنْهُ , وَسَمَاعُهُمْ كَلَامَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِيَكُونَ مَنْ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ يَقْبَلُهُ فَيَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ أَوْ لَا يَقْبَلُهُ فَيَبْقَى عَلَى حَرْبِيَّتِهِ وَعَلَى حِلِّ سَفْكِ دَمِهِ , فَهَذَا عِنْدَنَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّسُلِ الْقَتْلَ , وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَا يُوجِبُ قَتْلَهُمْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا رُسُلًا , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ".شرح مشكل الآثار (7/ 302) "
(2) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 595) 2762 - (صحيح)
قال الخطابي: قوله:"حنة"يريد الوِتر والضغن. واللغة الفصيحة: إحنة بالهمزة، قال الشاعر:
إذا كان في نفس ابنِ عمِّك إحنَةٌ ... فلا تَسْتَثْرها، سَوْف يبدو دَفينُها
ويقال: فلان مواحن لفلان: إذا كان مضمرًا له على عداوة.
ويشبه أن يكون مذهب ابن مسعود في قتله من غير استتابة أنه رأى قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"لولا أنك رسول لضربت عنقك"حكمًا منه لولا علة الرسالة، فلما ظفر به، وقد ارتفعت العلة أمضاه فيه، ولم يستأنف له حكم سائر المرتدين.
وفيه حجة لمذهب مالك في قتل المستسر بالكفر، وترك استتابته.
ومعلوم أن هؤلاء لا يمكنهم إظهار الكفر بالكوفة في مسجدهم، وهى دار الإسلام، وإنما كانوا يستبطنون الكفر ويُسرُّون الإيمان بمُسيلمة، فاطلع على ذلك منهم حارثة، فرفعهم إلى عبد الله، وهو والٍ عليها، فاستتاب قومًا منهم، وحقن بالتوبة دماءهم. ولعلهم قد كانت داخلتهم شبهة في أمر مسيلمة، ثم تبينوا الحقَّ، فراجعوا الدين، فكانت توبتهم مقبولة عند عبد الله، ورأى أن أمر ابن النواحة بخلاف ذلك، لأنه كان داعية إلى مذهب مسيلمة، فلم يعرض عليه التوبة، ورأى الصلاح في قتله.
وإلى نحو من هذا ذهب بعض العلماء في أمر هؤلاء القرامطة الذين يلقبون بالباطنية.
وأما قوله:"لولا أنك رسول لضربت عنقك"فالمعنى في الكف عن دمه: أن الله سبحانه قال: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ} [التوبة: 6] فحقن له دمه، حتى يبلغ مأمنه، ويعود بجواب ما أرسل به، فتقوم به الحجة على مرسله.