فَقَالَ: لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى، هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللهِ، أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فأُسَلِّفُكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ فَتَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَتُؤَدِّيَانِ رَاسَ الْمَالِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ لَكُمَا الرِّبْحُ، فَقَالَا: وَدِدْنَا، فَفَعَلَا، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَاخُذُ مِنْهُمَا الْمَالَ، فَلَمَّا قَدِمَا الْمَدِينَةَ بَاعَا وَرَبِحَا، فَلَمَّا رَفَعَا ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:"أَكُلُّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ كَمَا أَسْلَفَكُمَا؟"قَالَا: لَا، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:"ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا، أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ"فَأَمَّا عَبْدُ اللهِ فَسَلَّمَ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللهِ فَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا لَوْ هَلَكَ الْمَالُ أَوْ نَقَصَ لَضَمِنَّاهُ، قَالَ:"أَدِّيَاهُ"، فَسَكَتَ عَبْدُ اللهِ، وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا، فَقَالَ:"قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا"، فَأَخَذَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الْمَالَ وَنِصْفَ رِبْحِهِ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللهِ وَعُبَيْدُ اللهِ نِصْفَ رِبْحِ الْمَالِ"البيهقي [1] "
1691. عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [2] .
(1) السنن الكبرى للبيهقي (6/ 183) (11605) صحيح
قَالَ الإِمَامُ: وحديثُ الْمُسَاقَاة يدلُّ على جَوَاز مُسَاقَاة الْمُسلم الذِّمِّيّ، وَكَذَلِكَ المزارعةُ، واستدلَّ بِهِ بَعضُهم على جَوَاز مُضاربة الْمُسلم الْكَافِر، لِأَن المَال فيهمَا فِي أحد الشقين، وَالْعَمَل فِي الشق الآخر، وَمِنْهُم من كره مُضَارَبَة الْمُسلم الذِّميَّ بِخِلَاف الْمُسَاقَاة والمزارعة، لأنَّ الْعَمَل فيهمَا يتَّفق من الْمُسلم وَالذِّمِّيّ، وَفِي الْمُضَاربَة قد يتصرَّف الذِّمِّيّ فِي الْخمر وَالْخِنْزِير، ويُعامل بالربا، فيكرهُ معهُ لِهَذَا. قَوْله: «وَلَهُم شطرُ مَا يخرج مِنْهَا» وروى مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْن عُمَر، قَالَ: «وَلِرَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - شَطْرَ ثَمَرِهَا» ، وَفِيه دَلِيل على أنَّ ربَّ الأَرْض إِذا بيَّن حصَّة نَفسه، أَو فِي الْمُضَاربَة بَيَّنَ ربُّ المَال حصةَ نَفسه، كَانَ الْبَاقِي لِلْعَامِلِ، كَمَا لَو بيَّن حصَّة الْعَامِل كَانَ الْبَاقِي لربِّ الأَرْض وَالْمَال، وَقَالَ بعضُ أهل الْعلم: إِذا بيَّن حصَّة نَفسه، لم يكن الْبَاقِي لِلْعَامِلِ، وَلَا يصِحُّ حَتَّى يبين حِصَّة الْعَامِل.
وَاخْتلف أهلُ الْعلم فِي الْمضَارب إِذا خَالف ربَّ المَال، فرُوي عَنِ ابْن عُمَر، أَنَّهُ قَالَ: الرَّبحُ لربِّ المَال، وَعَن أَبِي قِلابَة وَنَافِع: الرِّبْح لربِّ المَال وَالْعَامِل ضَامِن لِلْمَالِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَد فِي المودَع إِذا اتَّجر فِي مَال الْوَدِيعَة بِغَيْر إِذن الْمَالِك، وَقَالَ أَصْحَاب الرَّاي: الرِّبْح لِلْعَامِلِ، وَيتَصَدَّق بِهِ، والوضيعة عَلَيْهِ، وَهُوَ ضَامِن لرأس المَال، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِن اشْترى بِعَين مَال الْقَرَاض، فالشراء فَاسد، وَإِن اشْترى فِي الذِّمَّة، فَهُوَ للْمُشْتَرِي، فَإِن صرف مَال الْقَرَاض إِلَيْهِ صَار ضَامِنا. شرح السنة للبغوي (8/ 260)
(2) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 782) 3462 - (حسن)
قال ابن الأثير: العينة: هو أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به، فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراها إلى أجل مسبى ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضًا عينة، وهي أهون من الأولى. قال: وسميت عينةً لحصول النقد لصاحب العينة، لأن العين هو المال الحاضر من النقد، والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه معجلة.
وقال المناوي في"فيض القدير"1/ 313: هذا دليل قوي لمن حرَّم العينة، ولذلك اختاره بعض الشافعية، وقال: أوصانا الشافعي باتباع الحديث إذا صح بخلاف مذهبه.
وانظر كلام ابن قيم الجوزية في"تهذيب السنن"5/ 100 - 109 فإنه شافٍ وافٍ.
وقوله: وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع. قال صاحب"عون المعبود": حمل هذا على الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد.