فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ مِنْهَا فُرْجَةً، فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، فَفَرَجَ لَهُمْ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَاجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي، قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا، فَخُذْهَا فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللهُ مَا بَقِيَ"متفق عليه [1] "
(1) إرشاد الحيران فيما اتفق عليه الشيخان مع الشرح (ص: 3301) 1903. (2743) أخرجه البخاري في: 34 كتاب البيوع: 98 باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي [ش (غار) الغار الثقب في الجبل (فإذا أرحت عليهم) أي إذا رددت الماشية من المرعى إليهم وإلى موضع مبيتها وهو مراحها يقال أرحت الماشية وروحتها بمعنى (نأى بي ذات يوم الشجر) وفي بعض النسخ ناء بي وهما لغتان وقراءتان ومعناه بعد والنأي البعد (بالحلاب) الإناء الذي يحلب فيه يسع حلبة ناقة ويقال له المحلب قال القاضي وقد يريد بالحلاب اللبن المحلوب (يتضاغون) أي يصيحون ويستغيثون من الجوع (فلم يزل ذلك دأبي) أي حالي اللازمة (فلما وقعت بين رجليها) أي جلست مجلس الرجل للوقاع (لا تفتح الخاتم إلا بحقه) الخاتم كناية عن بكارتها وقولها بحقه أي بنكاح لا بزنى (بفرق) بفتح الراء وإسكانها لغتان الفتح أجود وأشهر وهو إناء يتسع ثلاثة آصع (فرغب عنه) أي كرهه وسخطه وتركه]
*وفي هذا الحديث من الفقه أن الدعاء في الشدة أقمنه بالإجابة ما صدق داعيه فيه، وهو أن يدعو الله سبحانه وتعالى جاعلًا وسيلته ما كان من عمل صالح يذكر منه كلما لا يعلم الله تعالى خلافه، وليس هذا مما يخرج مخرج التمنن بالعبادة، ولكن هذا الداعي بذكره هذا قد استشهد إيمانه الماضي بإخلاصه فيه حيث ظهر منه ذلك الإيمان في حالة الرخاء؛ فكان هو الذي أنقذه الله به في الشدة.
*وفيه أيضًا أن هؤلاء الثلاثة لما اشتدت بهم الأزمة لم يفزعوا إلى مخلوق بأن يقولوا: نحتال في قلع هذه الصخرة أو حفرها أو نقرها أو غير ذلك، بل فزعوا إلى الله تعالى، فكان عونه هو الأقرب الأرجى.
*وفيه أيضًا أن المسلم إذا حاطت به الشدة فلا ينبغي له أن يستصرخ ويسقط في يديه، وتمتد عنقه للهلاك بل يلجأ إلى الدعاء فيكون هجيراه فإنه في ذلك الوقت الشديد يكون مخلصًا في الدعاء فليغتنمه.
*وفيه أيضًا أن هؤلاء الثلاثة كانوا أصولًا في ثلاثة أمور كلها عظيم الشأن فسنوا سنة الحسنى فيها إلى يوم القيامة، وهي التي شكر النعمة التي من أرفعها بر الوالدين، وكسر الشهوة التي من أشدها قذع النفس عن الجماع بعد جلوس الرجل من المنزلة ذلك المجلس، والأخرى أداء الأمانة لمن لا يخاف ولا يرجي.
فكانت هذه الأصول الثلاثة إذا نظر فيها حق النظر، وجدت مشتملة على ثغور العبادة لله تعالى؛ فلذلك لما اجتمعت من الثلاثة في حال واحدة، ودعوا بها دعوة رجل واحد، رفع الله بها الصخرة الهابطة من الجبل، خارًقا سبحانه وتعالى العادة في مثلها، واستمر ذلك حديًثا تكلم به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ورواه عنه الثقات ليعمل به لا ليتخد سمرًا فقط، ومما يحض على أن لا يستطرح الإنسان عند انقطاع حيلته بنزول البلاء واشتداده بل يفزع إلى الدعاء.
*وفيه من الفقه: التنبيه على حسن تدبير المؤمن في إصلاح المال له ولغيره إذا كان ينمي اليسير منه، فيكثر ويتضاعف. الإفصاح عن معاني الصحاح (4/ 39)